خبر تراثي
من ذاكرة الحاجة عليا إلى أرشيف وطن: 15 عاماً من عمل “هوية” في حماية الرواية الفلسطينية
28 كانون الثاني 2026
في أحد بيوت عدلون في جنوب لبنان، جلست الحاجة عليا رشيد محمود عبد الله، المولودة عام 1948 في قرية دلاتة – قضاء صفد، تستعيد ما لم تعشه كاملاً، وما لم تنسَه أبداً. خرجت طفلة مع عائلتها من القرية، لكن القرية لم تخرج منها. كانت هذه الجلسة، التي أُجريت يوم الأربعاء 15 كانون الثاني 2026، واحدة من آخر المقابلات التي نفذتها مؤسسة “هوية” في لبنان، تزامناً مع مرور 15 عاماً على انطلاقة المشروع.
بالنسبة لـ“هوية”، لا تُقاس الشهادة بعمر الذاكرة الفردية، بل بدلالتها الوطنية. فالحاجة عليا، وإن لم تعِش تفاصيل الحياة اليومية في دلاتة، إلا أنها حملت رواية العائلة كما وصلتها، وأسهمت في تثبيت واستكمال شجرة عائلتها، ضمن رؤية تؤكد أن لكل عائلة فلسطينية حكايتها التي تستحق أن تُروى وتُحفظ، سواء بقيت في فلسطين أو تفرّقت في المنافي.
المقابلة بوصفها فعل إنقاذ للذاكرة
بهذه الجلسة، تجاوز عدد المقابلات التي أجرتها “هوية” خلال مسيرتها 1400 مقابلة موثّقة، لم تكن مجرد تسجيلات صوتية أو مصوّرة، بل جلسات نبش عميق في ذاكرة العائلات. في كثير من الأحيان، كانت المقابلة تتحوّل إلى لقاء عائلي جامع، يلتف فيه الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد حول رواية واحدة، تُستعاد فيها الأسماء، والبيوت، والحقول، والصور، والوثائق.
هذا التراكم، كما تصفه المؤسسة، شكّل إرثاً وطنياً مركباً لم يُتعامل معه سابقاً بهذه المنهجية المتكاملة، التي تربط بين الذاكرة الشفوية، وشجرة العائلة، والصورة، والوثيقة.
الصورة والوثيقة: شهود لا يكذبون
ترى “هوية” أن كل صورة لشاهد على النكبة هي دليل حيّ على الحق الفلسطيني، وأن كل وثيقة من زمن البلاد تشكّل مادة دامغة في مواجهة التزييف الصهيوني للرواية. من هذا المنطلق، عملت المؤسسة على جمع وأرشفة أكثر من 43 ألف صورة عائلية، تشمل صور العائلات والقرى، وصوراً نادرة لشهود النكبة، جرى حفظها رقمياً وإتاحتها عبر المنصة الإلكترونية.
أما الوثائق، فقد نشرت “هوية” ما يقارب 29 ألف وثيقة تاريخية نادرة، استخرجت من أرشيفات عامة وخاصة، كثير منها كان مغلقاً أو غير متاح. وتتعامل المؤسسة مع الوثيقة بوصفها إرثاً عائلياً قبل أن تكون مادة أرشيفية؛ إذ تحرص، متى أمكن، على زيارة العائلات المعنية وتسليمها نسخاً رقمية من وثائقها، في خطوة لاقت تقديراً واسعاً من أصحابها الذين رأوا فيها استعادة لجزء من تاريخهم الشخصي والوطني.
شجرة العائلة… حجر الأساس
يشكّل برنامج شجرة العائلة الفلسطينية العمود الفقري في عمل “هوية”. فمن خلال المقابلات الميدانية، والعودة إلى الكتب والمراجع، والتنقيب في السجلات التاريخية، تمكنت المؤسسة من توثيق 6600 شجرة عائلة فلسطينية. وتولي “هوية” أهمية خاصة لسجلات النفوس العثمانية، التي تغطي عدداً كبيراً من القرى والمدن الفلسطينية في أواخر العهد العثماني، مع الإشارة إلى أن قسماً من هذه السجلات فُقد خلال فترة الانتداب البريطاني، ما يجعل ما تبقى منها ذا قيمة مضاعفة.
تؤكد المؤسسة أن هذا العمل لا يرتبط بأي مقابل مادي، بل يندرج ضمن مشروع وطني مفتوح هدفه حماية الذاكرة الجماعية، وربط الأفراد بجذورهم، واستعادة ما أمكن من تاريخ العائلات الفلسطينية.
من الجهد الفردي إلى الثقافة العامة
إدراكاً منها أن هذا الحقل لا يمكن لمؤسسة واحدة أن تغطيه بمفردها، حرصت “هوية” على بناء شراكات واسعة مع جمعيات القرى، وروابط العائلات، ومؤسسات أرشيفية وبحثية، إلى جانب حضورها المستمر في المؤتمرات والمعارض والمحاضرات. وفي هذا السياق، تشدد المؤسسة على مفارقة لافتة: إذا كان الاحتلال قد لجأ إلى علم الأنساب وتاريخ العائلات لخدمة روايته، فإن أصحاب الحق أولى بتوظيف هذا المجال لتثبيت روايتهم الأصيلة.
ولتحويل التوثيق إلى ممارسة مجتمعية، درّبت “هوية” خلال 15 عاماً أكثر من 700 شاب وشابة على أدوات التوثيق ومصادره وأساليبه العلمية، ليصبحوا شركاء فاعلين في حماية الذاكرة، لا مجرد متلقين لها.
ذاكرة لا تُختزل
بعد خمسة عشر عاماً، تبدو “هوية” كأنها مشروع يتجاوز الأرقام، رغم ضخامتها. إنها مسار طويل يبدأ بحكاية امرأة خرجت طفلة من قريتها، ويمتد ليشكّل أرشيفاً وطنياً مفتوحاً، يؤمن بأن كل حكاية، وكل صورة، وكل وثيقة، وكل إيصال أو شهادة هي جزء لا يتجزأ من الرواية الفلسطينية الحقيقية، التي لا يجوز أن تُترك للنسيان.






أضف تعليق
قواعد المشاركة