العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.منذُ أيّام، كانت سفنُ "أسطول الصمود" تشقُّ البحر نحو غزة، لا تحملُ صواريخ ولا جيوشاً ولا خزائن ذهب، بل تحملُ شيئاً يبدو أنّ العالم بات يخشاه أكثر من السلاح: ضميراً حيّاً.
كانت تحملُ بعض الدواء، وبعض الطعام، والكثير من الكرامة الإنسانية التي اختفت من نشرات الأخبار ومن بيانات "المجتمع الدولي".
أوقفوها.
حاصروها.
هدّدوها.
وفي مكانٍ ما من هذا العالم، كان مسؤولٌ أنيقُ البدلة يحتسي قهوتهُ بهدوءٍ، وهو يشرحُ أمام الكاميرات أنّ منع السفن "ضرورةٌ أمنية" لحماية الاستقرار!
أيُّ استقرارٍ هذا الذي يخافُ من علبة حليب؟
وأيُّ أمنٍ عالميٍّ يرتعبُ من سفينةٍ تحملُ متطوّعين وأطباء وقلوباً جاءت لتقول لأهل غزة: لستم وحدكم؟
لكنّ العالم كان نائماً.
نائماً بطريقةٍ تثيرُ الشفقة أحياناً، والغثيان أحياناً أخرى.
لا بياناتُ غضبٍ حقيقية، ولا اجتماعاتٌ طارئة، ولا عناوين حمراء عاجلة، ولا دموعٌ أمام الكاميرات، ولا محلّلون تسمع صراخهم وهم يتحدّثون عن "القانون الدولي" و"حقوق الإنسان" و”حرية الملاحة".
فالشعبُ الفلسطيني، في عرف هذا العالم، ليس سوى تفصيلٍ مزعجٍ خارج سوق المصالح.
لكن ما إن يتعطّل تدفّقُ النفط لساعاتٍ قليلة، حتى ترى العالم يقفزُ مذعوراً، كأنّ القيامة قد قامت.
تنعقدُ الجلساتُ الطارئةُ لمجلس الأمن، وتستيقظُ الأممُ المتحدةُ من سباتها العميق، وتتحرّكُ الأساطيلُ العسكرية، وترتفعُ أسعارُ النفط، فيرتفعُ معها صوتُ الضمير العالمي فجأة.
ويبدأُ المحلّلون بالحديث عن "تهديد الاقتصاد العالمي"، و"السلم الدولي"، و"الخطر على استقرار البشرية”.
إنّه عالمٌ لا يقيسُ قيمة الإنسان بإنسانيّته، بل بقربه من أنبوب النفط، أو خطوط التجارة، أو حسابات البنوك.
ولذلك، لا تستغربوا هذا الصمت. فالعالمُ الذي تعلّم كيف يشاهدُ أطفال غزة تحت الأنقاض، ثم يذهبُ لتناول العشاء، لن توقظهُ سفنُ التضامن، ولا صرخاتُ الجوعى.
إنّه عالمٌ منافق، يرتدي ربطة عنقٍ فوق جثث الأبرياء، ويتحدّثُ عن السلام، فيما يضعُ قدمه على رقبة الحقيقة.
لم يخذل غزة الجوعُ وحده، بل خذلها عالمٌ فقد إنسانيّته، عالمٌ يستطيعُ أن يسمع ارتجاج خزّانات النفط من آخر الأرض، لكنهُ لا يسمعُ أنين طفلٍ يموتُ تحت الركام.
أمّا غزة، فستبقى وحيدةً… تُقاومُ العالم كلّهُ بقلبٍ جائع، فيما يواصلُ العالمُ نومَهُ فوق ضميرٍ ميّت.



أضف تعليق
قواعد المشاركة