من اليرموك إلى الصالحية.. حكاية الفلسطينيين الذين أسسوا مدينة العلم بدمشق
تعجّ مدينة دمشق بالمعالم التاريخية والأثرية، وتُعد منطقة الصالحية، الممتدة عند سفح جبل قاسيون، واحدة من أبرز تلك المناطق التي ارتبط اسمها بتاريخ علمي وثقافي عريق، غير أن كثيرين لا يعرفون أن جذور هذه المنطقة تعود إلى لاجئين فلسطينيين قدموا من مدينة نابلس قبل نحو ثمانية قرون.
وفي مقال للكاتب خليل الصمادي، يستعيد رحلة أجراها قبل 16 عاماً من مخيم اليرموك إلى حي الصالحية، مستنداً إلى مراجع تاريخية عدّة بينها “خطط الشام” لمحمد كرد علي، و”في رحاب دمشق” لمحمد أحمد دهمان، و”القلائد الج
مقال قبل 16 عاماً نُشر في مجلة العودة وعدة مواقع، كما أوردته في كتابي “ذكريات من مخيم اليرموك”.
تعج مدينة دمشق بالكثير من المواقع الأثرية، ولعل أهمها منطقة الصالحية المنحدرة من جبل قاسيون، ويبدو أن كثيراً من الناس لا يعرف إلا بوابة الصالحية لشهرتها التجارية والاقتصادية، ولكن القليل منهم يعرف الصالحية وتاريخها، ويعرف من أسسها وما هي صلاتهم بفلسطين.
زرت الصالحية والشيخ محيي الدين والشيخ إبراهيم وركن الدين وأنا شاب يافع زيارات عابرة لم ألتفت كثيراً إلى التاريخ، ولم يكن يعنيني حينئذٍ التاريخ فيها أو عنها، ولما شببت قليلاً وقع في يدي عدد من الكتب التي تتحدث عن مدينة دمشق، منها “خطط الشام” لكرد علي، و”خطط دمشق” للمرحوم أكرم العلبي، و”مدينة دمشق” للشيخ علي الطنطاوي، و”في رحاب دمشق” لشيخ المحققين محمد أحمد دهمان، و”القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية” لابن طولون.
علمت من هذه الكتب أن الصالحية كانت قبل حوالي ثمانية قرون مدينة فلسطينية بامتياز.
ففي عام 551هـ وصلت أول قافلة للاجئين الفلسطينيين من منطقة نابلس، ومن قرية جماعين تحديداً، إلى دمشق فراراً من الاضطهاد الصليبي، فأقاموا مخيمهم الأول في جامع أبي صالح شرقي باب شرقي، وقد بلغ عددهم نحو مئتي شخص، ونظراً لاختلاف البيئة بين جماعين ومخيمهم الجديد مات منهم نحو أربعين شخصاً بسبب الأوبئة والأمراض.
وبعد ثلاث أو أربع سنوات قام السلطان نور الدين محمود بمساعدتهم في الرحيل إلى سفح جبل قاسيون، وكانت المنطقة خالية من البيوت والسكان، وهناك خطّ كبيرهم الشيخ أحمد آل قدامة ثلاثة دور لإيواء أتباعه، وفي غضون بضع سنين وصلت البيوت إلى العشرات ثم المئات، وسمي المكان بالصالحية لصلاح آل قدامة كما ذكر المؤرخون.
وغدت الصالحية مدينة علمية بامتياز، يقصدها طلاب العلم من دمشق وغيرها، ويخرج منها العلماء والمشايخ إلى مساجد دمشق، ولا سيما الجامع الأموي لإعطاء الدروس والفتوى، حتى انتشر المذهب الحنبلي في دمشق ووصل إلى دوما وجيرود والضمير وبعلبك، فأُلّفت عشرات الكتب مثل “المغني” و”المقنع”.
وصارت الصالحية محط أنظار العلماء والأعيان، فقد ذكر الضياء المقدسي ابن الشيخ أحمد بن قدامة أن السلطان نور الدين كان يزور والده، وصارت الصالحية تنمو بشكل مذهل، يستقر فيها من تتوق نفسه للعلم والمعرفة.
عشت بين أسطر الكتب وأنا مندهش من هذه الجماعة التي أشادت خلال ثلث قرن تقريباً مدينة فاضلة بمعنى الكلمة، أفضل من مدينة أفلاطون الخيالية، مدينة تم تخطيطها من قبل أروع المهندسين وأهل الشورى وأصحاب الحل والعقد، فلم يغفلوا عنها البنية التحتية حتى فاقت حواضر العالم الإسلامي آنذاك.
وقد عدّ الشيخ دهمان في كتابه “في رحاب دمشق” نحو 350 مبنى من مباني الحضارة الإنسانية، فأنشئت عشرات المساجد والمدارس والجوامع والخوانق والزوايا والحمامات والخانات والربط ودور الأيتام في ربوع الصالحية، وانتشر علم الفقه والحديث حتى إن نساء آل قدامة أصبحن محدثات يتلقى الرجال العلوم منهن.
ويقول ابن طولون إن مما اختصت به الصالحية صناعة الورق التي لم تكن تصنع إلا بها، ومنها يُجلب إلى سائر الدنيا.
في يوم الجمعة أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2010، وأواخر ذي القعدة 1431هـ، أحببت أن أزورها. رافقت والدي أطال الله عمره – وقد توفي في القاهرة عام 2022 – وصلينا الجمعة في مسجد الشيخ عبد الغني النابلسي، واستمعنا بكل شغف إلى حفيده الشيخ محمد راتب النابلسي.
وبعد الصلاة طلبت من الوالد أن يتجول بي في “المدينة الفاضلة”، فوافق مشكوراً. مشينا باتجاه الجنوب قليلاً، فعلى يميننا رأينا معلماً كبيراً جداً، سألت الوالد عنه فقال: “هذه المدرسة العمرية التي أنشأها الشيخ أبو عمر ابن الشيخ أحمد بن قدامة، وكانت أكبر مدرسة في المكان، تخرج فيها عشرات الألوف ممن نشروا المذهب الحنبلي. وكانت بمثابة جامعة إسلامية في أيامنا هذه، إذ بلغ عدد غرفها وحجراتها أكثر من 300 غرفة”.
نظرت من خلال قضبان النوافذ فرأيتها كما وصفها المؤرخون، وكما وصفها المتأخرون من حيث الإهمال والهدم، فالأحجار متساقطة على الأرض والجدران آيلة للسقوط.
سألت الوالد: أين الأماكن الأخرى التي قرأنا عنها في الكتب والمجلدات؟ فقال: “بعضها موجود، وبعضها استولى عليه العامة منذ مئات السنين وحولوه إلى دور للسكن، وبعضها هدم أثناء غارات المغول والتتار”.
تجولنا في المدينة القديمة الحديثة، واستمعـت إلى الوالد بكل شغف وهو يشير إلى معالمها قائلاً: “هذه الدار الكبيرة كانت فيما مضى المدرسة الضيائية التي أنشأها الحافظ ضياء الدين المقدسي، حفيد مؤسس مدينة الصالحية من جهة أمه، وابن أخت الشيخ أبي عمر مؤسس المدرسة العمرية”.
وأضاف أن ضياء الدين المقدسي أنشأ مكتبة عامرة، وجال في حواضر العالم الإسلامي خمس سنوات يجمع المخطوطات وينسخ نفائس الكتب حتى غدت مكتبته من أعظم مكتبات دمشق.
سرنا باتجاه جامع الشيخ محيي الدين بن عربي، وعلى بعد عشرات الأمتار من المدرسة العمرية شاهدنا جامعاً كبيراً كتب عليه “جامع الحاجبية”، فسألت الوالد عنه فقال: “استمر آل قدامة في إنشاء المدارس والمعاهد، وصارت الصالحية قبلة للناس، فتجمع فيها التركمان والأكراد، وهذا الجامع أنشأه الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك عام 872هـ، وكان حاجباً ثم صار أميراً للتركمان، وسميت الحاجبية نسبة إلى مهنته”.
لم نستطع أن نكمل جولتنا، فقد أرهق المشي الوالد، والأماكن الأثرية كثيرة وتحتاج معرفتها إلى أسابيع طويلة. ووعدني بأنه يملك خارطة للأماكن الأثرية في الصالحية سيبحث عنها بين كتبه وأوراقه لتكون دليلاً لنا في جولة ثانية.
وفي طريق العودة إلى مخيم اليرموك سرحت في الصالحية ومدارسها وجوامعها، وفي جماعين ونابلس والقدس، ولم أنتبه إلا وأنا عند مدخل المخيم.
استفدت من تلك الجولة أن هناك قواسم مشتركة عميقة بين دمشق ونابلس والقدس، ووعدت نفسي أن أبحث عنها عندما تسمح لي الظروف.
وهرية في تاريخ الصالحية” لابن طولون.
ويشير الصمادي إلى أن أولى القوافل الفلسطينية وصلت إلى دمشق عام 551هـ، قادمة من قرية جماعين قرب نابلس، هرباً من الاضطهاد الصليبي. وأقام الوافدون الجدد بدايةً في جامع أبي صالح قرب باب شرقي، قبل أن يساعدهم السلطان نور الدين محمود على الانتقال إلى سفح جبل قاسيون، حيث بدأت نواة حي الصالحية.
ويذكر أن الشيخ أحمد آل قدامة خطّ أولى الدور لإيواء القادمين، ثم ما لبث المكان أن تحول خلال عقود قليلة إلى مركز علمي بارز، ازدهرت فيه المدارس والمساجد والمكتبات، وانتشر منه المذهب الحنبلي إلى مناطق واسعة في بلاد الشام.
كما يلفت المقال إلى أن الصالحية شهدت نهضة عمرانية وعلمية كبيرة، حتى وُصفت بأنها “مدينة فاضلة” مقارنة بمدن عصرها، إذ أُنشئت فيها مئات المنشآت العلمية والخدمية، بينها المدارس والزوايا والحمامات ودور الأيتام، إضافة إلى شهرتها بصناعة الورق التي كانت تُصدّر إلى مناطق مختلفة.
وخلال جولته التي أجراها عام 2010 برفقة والده الراحل، توقف الصمادي عند عدد من معالم الصالحية التاريخية، بينها المدرسة العمرية التي أسسها آل قدامة، والمدرسة الضيائية، وجامع الحاجبية، مستحضراً ما أصاب كثيراً من تلك الأبنية من إهمال واندثار عبر الزمن.
ويختتم الكاتب رحلته بالحديث عن القواسم المشتركة التي رآها بين اليرموك ودمشق ونابلس والقدس، معتبراً أن الصالحية تمثل شاهداً تاريخياً على الحضور الفلسطيني العريق في دمشق ودوره في نهضتها العلمية والحضارية.
مقالات متعلّقة
أضف تعليق
قواعد المشاركة