بين القضبان والصمت: حكاية الأسرى الذين ترويهم الجدران وينساهم العالم

منذ ساعتين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في أرضٍ تُثقلها الأسلاك الشائكة، لا تُرسم خرائط السجون بالحبر، بل بالألم. هناك، حيث يُختصر الزمن إلى زياراتٍ معدودة، وتُقاس الحياة بعدد النوافذ الحديدية، يقيم أكثر من عشرة آلاف أسيرٍ فلسطينيٍّ وعربيٍّ في عتمةٍ لا تصلها العدالة، ولا تكاد تلامسها إنسانية.

ليسوا أرقاماً، بل حكاياتٌ مؤجَّلة. لِكُلٍّ منهم: أمٌّ تنتظر، وأبٌ يشيخ، وبيتٌ يشيخ، وذاكرةٌ تُقاوم النسيان.

في عمق هذا الواقع، تتوزع السجون كجزرٍ معزولةٍ عن العالم، لكنها متصلةٌ بالألم ذاته. تسعة عشر سجناً مركزياً تبتلع الأجساد والأحلام معاً: سجن مجدو، سجن شطة، سجن جلبوع، سجن ريمون (جانوت)، سجن هداريم، سجن أيالون (الرملة)، سجن عوفر، سجن عسقلان، سجن إيشل، سجن النقب (كتسيعوت)، سجن نفحة (جانوت)، سجن الدامون، سجن هشارون، سجن نفي ترتساه، عزل سجن الرملة (نيتسان)، عيادة سجن الرملة، قسم راكيفت (تحت الأرض)، أولي هيكدار (عزل)، وأيلا (عزل).

كلُّ اسمٍ من هذه الأسماء ليس مجرد مكان، بل فصلٌ من روايةٍ قاسية، حيث يتحول الجدار إلى شاهدٍ، والباب إلى حدٍّ فاصلٍ بين الحياة والانتظار.

وقبل الوصول إلى تلك السجون، تمرّ الرحلة عبر بواباتٍ أشد قسوة: مراكز التحقيق. ستة مراكز تُعرف بأنها مسار الألم الأول، حيث تُنتزع الاعترافات تحت الضغط، وتُختبر قدرة الإنسان على الصمود: مركز توقيف كيشون، مركز تحقيق سالم، بيتاح تكفا، المسكوبية، مركز تحقيق عوفر، ومركز تحقيق عسقلان. هناك، لا يكون الليل للراحة، بل مساحةً أخرى للانكسار أو المقاومة.

أما في معسكرات جيش الاحتلال، حيث تغيب القوانين الواضحة وتنعدم الرقابة الحقيقية، فيُحتجز الأسرى في ظروفٍ أشد غموضاً وقسوة. ويبلغ عدد هذه المعسكرات خمسة: معسكر عيمعاد، معسكر نفتالي، عناتوت، معسكر عوفر العسكري، وسديه تيمان. في هذه الأماكن، لا يعود الاحتجاز مجرد سلبٍ للحرية، بل يتحول إلى مصيرٍ معلّق، وسؤالٍ مفتوح يزداد إلحاحاً وقسوة مع كل يومٍ يمضي.

ولا تكتمل صورة الألم دون ذكر المعتقلات التابعة لجيش الاحتلال، التي تُضيف طبقةً أخرى من الغياب، وعددها ثلاثة معتقلات: معتقل منشة، معتقل حوارة، ومعتقل عتصيون.

وبين هذه الجدران جميعاً، تتردد همساتٌ عن أماكن أشد ظلاماً، مثل السجن 1391، الذي تحوّل اسمه إلى رمزٍ للرعب الصامت، حتى قيل إن ما يجري فيه يجعل قصص التعذيب في سجن أبو غريب أقرب إلى حكاياتٍ للأطفال.

ورغم كل ذلك، لا يزال الأسرى يكتبون حكايتهم بالصبر. لا يملكون ترف النسيان، ولا خيار الاستسلام. الأرض تحفظ أسماءهم، والريح تنقل قصصهم، جيلاً بعد جيل، على وعدٍ لا يموت: الحرية.

تبقى القضية أكبر من سجنٍ أو معتقلٍ؛ إنها اختبارٌ للضمير الإنسانيّ كله، لأنّ الأمة التي تتركُ أسراها في السجون هي أمةٌ بلا شرفٍ ولا كرامةٍ ولا شهامةٍ؛ إذ تُتركُ أجسادُهم في الزنازين الباردة، حيثُ ينتظرُ الأسرى فجراً قد يتأخر… لكنه لا بدّ أن يأتي يوماً.



مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

بين القضبان والصمت: حكاية الأسرى الذين ترويهم الجدران وينساهم العالم

في أرضٍ تُثقلها الأسلاك الشائكة، لا تُرسم خرائط السجون بالحبر، بل بالألم. هناك، حيث يُختصر الزمن إلى زياراتٍ معدودة، وتُقاس الحياة… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون