"كم مرّة هزمتنا الخيانة دون قتال"… حين يصبح السقوط خياراً
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في عبارةٍ تختصر واقعاً موجعاً، يقول سعد الله ونوس: "كم مرّة هزمتنا الخيانة دون قتال". ليست جملةً عابرة، بل توصيفٌ دقيق لهزائم لم تكن نتيجة قوة الخصم بقدر ما كانت نتيجة ضعف الداخل.
الخيانة هنا لا تعني فقط التواطؤ المباشر، بل تتجلّى في الصمت والتخلّي، والخطاب الذي يُفرغ القضايا من معناها. إنها انسحابٌ أخلاقي يسبق أي هزيمة ميدانية.
في الحالة الفلسطينية، وفيما يمعن بعض العملاء في غزة والضفة في تمزيق ما تبقى من الثقة الوطنية، تقف قيادةٌ فلسطينيةٌ وقد تخلّت عن شعبها، تلهث خلف مصالحها الشخصية، وتنظر إلى القضية وكأنها مزرعةٌ خاصة تُورَّث للأبناء، لا أمانة تُصان ولا وطن يُحرَّر.
وليس هذا مجرد تحليل، بل واقعٌ تكرّر بأشكالٍ مختلفة. ففي الحرب الماضية، أخطأت طائرات الاحتلال في قصف مبنى القرض الحسن في مدينة صيدا عاصمة جنوب لبنان، فلم تُصب الهدف، لكن بعض العملاء سخروا، واعتبروا أنّ الطيّار "أحول"، ووضعوا دائرةً باللون الأحمر على المبنى لتحديده بوضوح. ولم تمضِ مدةٌ طويلة حتى عادت الطائرات واستهدفته مجدداً. هكذا، لا تأتي الخيانة دائماً من غرفٍ مغلقة، بل قد تُرتكب علناً، ببرودٍ واستهتار، وبكلفةٍ يدفعها الأبرياء.
لم تكن الهزائم نتيجة التفوّق العسكري وحده، بل نتيجة انقسامٍ داخلي وفقدانٍ للبوصلة. لذلك، فإن مواجهة الخذلان تبدأ من الداخل: من استعادة المعنى، وتصحيح الخطاب، والالتزام بقيم العدالة.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن واحدة من أخطر صور الخيانة المعاصرة: غرف العصافير، حيث يتحوّل بعض الأفراد إلى أدواتٍ بيد الاحتلال، يمارسون الخداع والتضليل لانتزاع الاعترافات من أبناء جلدتهم، في نموذجٍ قاسٍ من التخابر الذي ينهش الثقة ويضرب النسيج الداخلي في عمقه. وليس ذلك فحسب، بل إن بعض عملاء غرف العصافير والتخابر مع الاحتلال عاشوا منبوذين ولاجئين لدى الاحتلال، ومع ذلك، وبعد وفاتهم، يخرج من ينعاهم وكأنهم قادة وطنيون، لا عملاء باعوا أنفسهم للمحتل المغتصب للأرض وخانوا شعبهم.
وفي مشهدٍ يعكس قسوة المفارقة، يُوارى الثرى أحد أبرز المتهمين بالعمالة وتأسيس «غرف العصافير»، في الأرض ذاتها التي احتضنت شهداء قدّموا أرواحهم دفاعاً عنها، وكأن الخيانة تحاول أن تزاحم الفداء حتى في مثواه الأخير؛ فماذا سنقول للشهداء، وماذا سنقول للشهيد نزار بنات؟
لا عزاء للخونة… ومن فعل فهو منهم. عبارةٌ قاسية، لكنها تعكس ألماً حقيقياً في وجه من اختاروا الاصطفاف مع العدو، أو سهّلوا له الطريق، أو صمتوا حين كان الصوت واجباً. فالوطن لا يُهزم فقط من خارجه، بل يُطعَن حين يتخلى عنه بعض أبنائه.
"كم مرّة هزمتنا الخيانة دون قتال"… ليست مرثية، بل إنذارٌ أخير. فالهزيمة لا تُفرض علينا بقدر ما نسمح لها أن تتسلّل إلينا، حين نتخلّى ونصمت. أمّا الانتصار، فلا يولد من رحم الصدفة، بل من موقفٍ يُتَّخذ، ورفضٍ لا ينكسر، وإرادةٍ لا تقبل أن يُباع الوطن أو يُورَّث كغنيمة.



أضف تعليق
قواعد المشاركة