فلسطين… صدى سقوط بخارى في حاضر الأمة

منذ 8 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات، تبقى بعض القصص كأنها مرايا صادقة تعكس واقعاً لا نحب أن نراه. ليست قصة سقوط مدينةٍ قديمةٍ بقدر ما هي سردٌ متكررٌ لانكسارٍ يتجدّد، بأسماء مختلفة ووجوهٍ متشابهة… ولعلّ أكثر هذه الأسماء حضوراً اليوم هو: فلسطين.

يروي التاريخ هذه القصة:

عندما هاجم القائد المغولي جنكيز خان مدينة بخارى، عجز عن اقتحامها، فكتب لأهل المدينة: إن من وقف في صفنا فهو آمن.

فانشقّ أهل المدينة إلى صفّين اثنين:

الصف الأول رفض وأصرّ على المواجهة والدفاع عن المدينة وشعبها حتى آخر رجل.

الصف الثاني وافق على الرضوخ والاستسلام خوفاً من بطش المغول.

فكتب جنكيز خان لمن وافق على الرضوخ: إن أعنتمونا على قتال من رفض منكم، نولِّكم أمر بلدكم. فنزلوا لأمره، ودارت رحى الحرب بين الطرفين.

وفي النهاية، انتصر طرف "العمالة"، ولكن الصدمة الكبرى كانت أن "التتار" سحبوا منهم السلاح، وأمروا بذبحهم.

وقال جنكيز مقولته المشهورة:

"لو كان يُؤمَن جانبهم، لما غدروا بإخوانهم من أجلنا، ونحن الغرباء..."

وهذا ما يحدث بين المسلمين إلى يومنا هذا.

اليوم، لا تبدو هذه القصة بعيدةً عن واقعنا، بل تكاد تكون نسخةً أخرى تُكتب بدمٍ جديد. في فلسطين، حيث المواجهة مستمرة، لا يُختبر الصمود فقط في وجه الاحتلال، بل في مواقف الأمة من حولها. هناك، تتجلّى الحقيقة بوضوحٍ مؤلم: أن الانقسام أخطر من العدو، وأن الخذلان قد يكون أشدّ وقعاً من الحصار.

في فلسطين، لا تزال الأرض تقاوم، لكن السؤال يبقى معلّقاً في سماء الأمة: هل نحن على قدر هذه التضحيات؟ أم أننا نعيد أخطاء بخارى، حين اختار البعض السلامة المؤقتة فخسروا كل شيء؟

الحزن في هذا الواقع ليس فقط على ما فُقد، بل على ما يُفقد يوماً بعد يوم دون مقاومة؛ على وحدةٍ كانت ممكنة لكنها أُهدرت، وعلى أمةٍ كان يمكن أن تكون سنداً، فأصبحت، في كثيرٍ من الأحيان، عبئاً على نفسها.

ليست المشكلة في قسوة العالم، فالعالم لم يكن يوماً رحيماً؛ لكن الكارثة حين يتحول الضعف إلى نهج، والانقسام إلى عادة، والتخلّي إلى خيار.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد دروسه لمن لا يتعلّم. وبخارى لم تكن النهاية، بل كانت بدايةً لسلسلةٍ من السقوط الذي لا يزال يتكرر.

وهكذا، تبقى فلسطين اليوم ليست مجرد قضية، بل إنذاراً أخيراً

إنذاراً يقول: إن لم نتعلّم من الماضي، فلن نكون سوى فصلٍ جديدٍ في القصة ذاتها.

....................................

هامش توضيحي:

بخارى: مدينة تاريخية تقع في أوزبكستان، وكانت من أبرز مراكز الحضارة الإسلامية، وقد تعرّضت لغزو المغول في القرن الثالث عشر.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

فلسطين… صدى سقوط بخارى في حاضر الأمة

في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات، تبقى بعض القصص كأنها مرايا صادقة تعكس واقعاً لا نحب أن نراه. ليست قصة سقوط مدينةٍ قديمةٍ بقدر ما هي س… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون