حقُّ العودة… الحكايةُ التي طال انتظارها

منذ 18 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في فلسطين لا يبدأ الحزن من الحرب فقط، بل من الانتظار. انتظارٌ طويلٌ يمتدّ منذ أكثر من سبعة عقود، منذ أن خرج الناس من بيوتهم حاملين مفاتيحهم، ظنّاً منهم أنهم سيعودون بعد أيام، لكن الأيام تحوّلت إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، وبقيت المفاتيح معلّقة في الذاكرة، كما لو أنّها شهادةٌ على وعدٍ لم يكتمل بعد.

في غزة، وفي المخيمات المنتشرة على امتداد الأرض الفلسطينية، لا يزال اللاجئون يروون الحكاية نفسها لأبنائهم: حكاية البيت الذي تُرك خلف التلال، وشجرة الزيتون التي بقيت تنتظر أصحابها، والقرية التي ما زالت أسماؤها حيّة في القلوب، رغم محاولات محوها من الخرائط.

حقّ العودة ليس شعاراً سياسياً بالنسبة للفلسطينيين؛ إنّه حكاية بيتٍ مفقود، وصورةُ جدٍّ يقف أمام بابه قبل أن يُقتلع منه، ومفتاحٌ قديمٌ ورثه الأحفاد كما يُورَّث الاسم والدم.

ومع مرور الزمن، ظنّ كثيرون أنّ الذاكرة ستتعب، وأن الحكاية ستبهت، وأن حقَّ العودة سيتحوّل إلى مجرّد ذكرى بعيدة، لكن فلسطين أثبتت مرةً أخرى أنّ الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تموت قضيتها.

فالتاريخ نفسه الذي شهد طغيان الجبابرة، شهد أيضاً نهاياتهم المفاجئة. وكأنّ الزمن يكرّر رسالته في كل عصر، ليقول إنّ الظلم، مهما طال، لا يصير قدراً أبدياً.

انتهت قصة فرعون بالماء.

انتهت قصة النمرود ببعوضة.

انتهت قصة قارون بالخسف.

انتهت قصة أبرهة بالحجارة.

رسالة واحدة تختصر التاريخ كله:

أنّ الله يُنهي قصص الطغيان بأبسط الأسباب، وأضعف الوسائل، وأصغر المخلوقات أحياناً.

ليست القوة في العتاد، وليست الهيمنة في الصوت المرتفع، وليست النهاية بيد من يظن أنّه يملك كل شيء، بل النهاية دائماً بيد الله.

كم من قوةٍ ظنّت أنّها لا تُهزم… فسقطت، وكم من جبروتٍ تخيّل أنّه خالد… فانتهى،

وكم من باطلٍ بدا في لحظةٍ ما كأنّه يملأ الأرض… ثم تلاشى كأنّه لم يكن.

فالتاريخ علّمنا أنّ النهاية قد تأتي من حيث لا نحتسب.

اطمئن… فالعدل قد يتأخر، لكنه لا يضيع، والحكمة قد تخفى، لكنها لا تغيب.

في غزة، وفي مخيمات الشتات من لبنان إلى الأردن، ومن سوريا إلى أصقاع الأرض، يعيش الفلسطينيون بين الحاضر القاسي والذاكرة التي لا تنطفئ. أطفالٌ يولدون في المخيمات، لكنهم يعرفون أسماء القرى التي لم يروها قط. يحفظون الطريق إلى بيوتٍ لم يخطوا نحوها خطوةً واحدة، لكنهم يعرفونها كما يعرف المرء طريقه إلى قلبه.

وهكذا يبقى حقُّ العودة أكثر من مطلبٍ سياسي؛ إنّه وعدٌ مؤجَّل في ذاكرة شعب، وقصةٌ لم يصل التاريخ بعد إلى آخر سطرٍ فيها.

قد يبدو الانتظار طويلاً… طويلاً حدَّ الألم، وقد يبدو الطريق إلى العودة أبعد مما تحتمله القلوب، لكن التاريخ الذي علّم العالم أن الطغيان لا يدوم، علّم الفلسطينيين أيضاً أنّ الحق لا يشيخ مهما طال انتظاره.

ولهذا ما زال الفلسطيني يحمل مفتاح بيته القديم، لا كقطعة حديدٍ صدئة، بل كإيمانٍ صامتٍ بأن الباب الذي أُغلق يوماً… لا بدّ أن يُفتح يوماً ما.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

حقُّ العودة… الحكايةُ التي طال انتظارها

في فلسطين لا يبدأ الحزن من الحرب فقط، بل من الانتظار. انتظارٌ طويلٌ يمتدّ منذ أكثر من سبعة عقود، منذ أن خرج الناس من بيوتهم حاملين… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون