المقابر في غزة أزهرت… حين تتحول الأرض إلى ذاكرة
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.محمود كلّم
في مكانٍ اعتاد أن يكون عنواناً للصمت، بدأت الحكاية تتغير. لم تعد المقابر في غزة مجرد صفوفٍ من الشواهد الحجرية، بل صارت حدائق صامتة تنبض بالحياة. فوق قبور الشهداء نبتت أزهار برية، كأن الأرض قررت أن تروي بطريقتها الخاصة ما عجزت الكلمات عن قوله.
في كل قبرٍ حكاية، وفي كل زهرة شاهدٌ جديد. ألوانٌ صغيرة تتفتح وسط الرماد، تلامس التراب الذي احتضن أجساداً رحلت على عجل، وتعيد رسم ملامح الغياب بلغة مختلفة. ليست هذه الأزهار ترفاً طبيعياً، بل تبدو كرسالة خفية: أن الحياة، رغم كل شيء، لا تنكسر تماماً.
أمهاتٌ يأتين بصمت، لا يحملن سوى الدعاء وذكرياتٍ ثقيلة. يجلسن قرب القبور، يلمسن تلك الأزهار برفق، كأنهن يلامسن وجوه أبنائهن الغائبين. بعضهن يقطفن زهرة، ويحتفظن بها في كتابٍ أو بين ثنيات الثوب، محاولةً الإمساك بما تبقى من حضورٍ لا يُرى.
شواهد القبور في غزة متقاربة، أكثر مما ينبغي. المساحات تضيق، لكن الحكايات تتسع. ومع كل دفنٍ جديد، تتراجع الأرض خطوة لتفسح مكاناً لوجعٍ إضافي. ومع ذلك، تنبت الأزهار من جديد، في مشهدٍ يحمل مفارقة قاسية: الموت يتكاثر، لكن الحياة تصر على الظهور.
يقول أحد سكان الحي القريب من المقبرة: "كنا نخاف من هذا المكان، أما اليوم فنراه مختلفاً. كأن الشهداء لم يرحلوا تماماً… كأنهم يرسلون لنا إشارات بأنهم هنا، بطريقة ما."
في غزة، لا شيء عادي. حتى المقابر ترفض أن تكون مجرد نهاية. تتحول إلى ذاكرة مفتوحة، إلى مساحةٍ تتجاور فيها لوعة الغياب والحياة، إلى أرضٍ تكتب تاريخها بالدم… وتزينه بالزهور.
وربما في هذا التناقض المؤلم، يكمن سر غزة: مدينةٌ تحاصرها المآسي، لكنها لا تتخلى عن حقها في أن تُزهر.



أضف تعليق
قواعد المشاركة