الأقصى بلا أذانٍ ولا مصلّين… حين تصمت مآذن القدس وتبكي الحجارة
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.جولة في تاريخ المسجد الأقصى وأبوابه، ومحطاتٍ من ذاكرة القدس التي لم تنطفئ رغم الحصار.
ليس الحزن في أن تُغلق أبواب مسجد، بل في أن تُغلق أبواب التاريخ للحظة.
حين تغيب أصوات الأذان عن مآذن المسجد الأقصى، وتخلو ساحاته من المصلّين، يبدو المشهد في القدس كأن الزمن توقف فجأة، وكأن حجارة المكان العتيقة تبحث عن تلك الخطى التي عاشت معها قروناً طويلة.
في هذا المسجد الذي مرّت عليه دول وسلاطين وجيوش، ظلّ الأذان هو الصوت الذي لا ينقطع. تعاقبت الحروب والاحتلالات، وتبدّلت الأزمنة، لكن المآذن بقيت ترفع النداء نفسه، وكأنها تحفظ ذاكرة المدينة وروحها.
وحين يصمت الأذان يوماً، ويغيب المصلّون عن الساحات، لا يبدو الأقصى مجرد مسجدٍ مغلق، بل يبدو جرحاً مفتوحاً في قلب القدس، وذكرى طويلة من التاريخ الذي لم ينحنِ يوماً رغم العواصف.
فالأقصى ليس حجارةً فقط، ولا قباباً ومآذن، بل قصة مدينةٍ كاملة، وذاكرة شعب، وواحد من أقدم الشهود على تاريخ هذه الأرض.
يقع المسجد الأقصى في قلب البلدة القديمة من القدس، وتبلغ مساحته نحو 144 دونماً، وتضم ساحاته المصلى القبلي، والساحات الواسعة، والمصاطب، والمدارس، والمآذن. وفي وسطه تقوم قبة الصخرة التي تُعدّ من أبرز معالمه. وعلى مدى قرون طويلة كان الأقصى مقصداً للزوار من كل الجهات، يأتون إليه حاملين دعاءهم ودموعهم وآمالهم.
لكن حين يغيب الأذان وتخلو الساحات من المصلّين، يبدو المكان كأنه فقد صوته الذي عاش به عبر التاريخ.
وللمسجد الأقصى مكانة روحية عظيمة في الإسلام، فهو المسجد الذي عُرج منه النبي محمد ﷺ إلى السماء في رحلة الإسراء والمعراج، كما ورد في القرآن الكريم:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1]
والمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. يُعدّ ثاني مسجد وُضع في الأرض بعد المسجد الحرام بحوالي 40 سنة، وهو مسرى النبي محمد ﷺ ومنطلق معراجه. هذه الرحلة الخالدة جعلت الأقصى قبلةً ثانية للمسلمين بعد المسجد الحرام.
تعود قداسة المسجد الأقصى إلى عصور بعيدة في التاريخ، وتذكر الروايات الإسلامية أن بناءه الأول كان قديماً جداً، ثم جُدّد في عهد النبي سليمان عليه السلام.
وفي عام 637م دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس، وتسلم مفاتيحها بعد اتفاق عُرف في التاريخ باسم العهدة العمرية، وأقام في موقع المسجد مصلى بسيطاً للمسلمين.
وبعد عقود قليلة شهد الأقصى نهضة عمرانية كبيرة في العصر الأموي؛ فقد شيّد الخليفة عبد الملك بن مروان قبة الصخرة عام 691م، بينما أكمل ابنه الوليد بن عبد الملك بناء المصلى القبلي في المسجد الأقصى، ليأخذ المسجد شكله المعماري الكبير الذي عُرف به عبر القرون.
ومنذ ذلك الزمن أصبح الأقصى مركزاً دينياً وعلمياً مهماً، يقصده العلماء والطلاب، وتُعقد في ساحاته حلقات العلم.
للمسجد الأقصى عشرة أبواب، لكل واحدٍ منها قصة في ذاكرة القدس.
من أشهر هذه الأبواب باب الأسباط في الجهة الشمالية الشرقية، وهو من أكثر الأبواب استخداماً للوصول إلى المسجد. وهناك أيضاً باب حِطّة، الذي ارتبط اسمه بروايات تاريخية قديمة.
وفي الجهة الغربية تقف مجموعة من الأبواب الشهيرة، منها باب القطانين الذي يُعدّ من أجمل أبواب المسجد من الناحية المعمارية، وباب السلسلة الذي كان عبر القرون مدخل العلماء والطلاب إلى مدارس الأقصى.
كما يوجد باب المغاربة في الجهة الغربية الجنوبية، وهو أحد الأبواب التاريخية المهمة.
وفي المقابل، هناك أبواب أُغلقت عبر الزمن، مثل باب الرحمة وباب التوبة، اللذين يقفان اليوم شاهدين صامتين على تحولات التاريخ.
كل بابٍ من هذه الأبواب ليس مجرد ممرٍ حجري، بل صفحة من ذاكرة المدينة.
شهد المسجد الأقصى أحداثاً جساماً في التاريخ. ففي عام 1099م سقطت القدس بيد الصليبيين خلال الحملة الصليبية الأولى، وتحول المسجد الأقصى إلى مقرٍّ لفرسان الهيكل، واستُخدمت بعض أجزائه إسطبلاتٍ للخيول.
لكن المدينة عادت إلى حضنها العربي والإسلامي عام 1187م حين حررها القائد صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، فعاد الأذان إلى مآذن الأقصى بعد غياب طويل.
وفي العصر الحديث أصبح المسجد الأقصى رمزاً للنضال الفلسطيني، وشهد أحداثاً مفصلية مثل حريق المسجد الأقصى عام 1969 الذي دمّر منبر صلاح الدين التاريخي، ثم انتفاضة الأقصى عام 2000 التي اندلعت بعد اقتحام باحاته.
الأقصى في الذاكرة ليس حجارةً فقط، بل أصوات المصلّين، ووقع الأقدام على بلاطه العتيق، وأصوات الأذان التي تعلو من مآذنه. لذلك حين تُغلق أبوابه وتفرغ ساحاته، يشعر الناس وكأن قطعة من التاريخ توقفت عن التنفس.
لقد عاش الأقصى قروناً طويلة من الحصار والحروب والاحتلال، لكنه بقي حاضراً في وجدان الناس. وكل مرة صمت فيها الأذان عاد بعد ذلك أعلى مما كان.
فالمساجد قد تُغلق أبوابها أحياناً، لكن أبواب التاريخ لا تُغلق.
والأقصى الذي صمد عبر الزمن يعرف طريق الأذان جيداً… حتى لو تأخر الصوت قليلاً.
الأقصى هو أكثر من مجرد مسجد؛ هو قلب القدس النابض، وذاكرة أمة لم تنكسر.
حين تُغلق أبوابه أو يصمت الأذان، لا يُغلق التاريخ، ولا تموت الروح التي عاشت معه قروناً طويلة.
كل حجر فيه، وكل مئذنة، وكل باب يحكي قصة صمود، قصة إيمان، وقصة شعب لم يترك الأرض مهما كانت الظروف.
الأقصى صامت اليوم… لكنه يتنفس الأمل، ويعد الأيام لعودة صوت الأذان، وعودة المصلّين الذين يجعلون منه حياً كما كان دائماً عبر التاريخ.



أضف تعليق
قواعد المشاركة