يوسف أبو دُرّة… حين كان الثوار يكتبون تاريخ فلسطين بالدم
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.قائد من قادة الثورة الفلسطينية الكبرى خرج من سيلة الحارثية ليقود معارك جنين والكرمل وينتهي شهيداً على مشانق الإحتلال البريطاني.
قبل أكثر من ربع قرن، سمعتُ لأول مرة اسم يوسف أبو دُرّة. لم يكن الاسم بالنسبة لي مجرد شخصية من التاريخ، بل حكاية طويلة رواها لي المناضل فايز خليفة جمعة (أبو مديرس). جلس يحدثني عنه ساعات طويلة، كأنه يستعيد زمناً كاملاً من البطولة. كنت أدوّن الملاحظات، وأحاول أن ألتقط التفاصيل الصغيرة التي لا تذكرها الكتب عادة: كيف كان الثوار ينامون ليالي طويلة على ضفاف وادي القرن، وكيف كانوا يتحصّنون في منطقة وادي الحبيس القريبة من قرية تربيخا في الجليل، ينتظرون الفجر القادم ومعه مواجهة جديدة مع الاحتلال.
تلك الحكايات لم تكن مجرد ذكريات، بل كانت نافذة على زمنٍ كانت فيه فلسطين تُكتب بدم رجالها.
يوسف سعيد صالح أبو دُرّة الجرادات (1900–1940) واحد من أبرز قادة الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939)، ومن أبناء عشيرة الجرادات المعروفة في فلسطين. وُلد في قرية سيلة الحارثية في قضاء جنين، حيث تلقّى تعليمه الأولي في مدرستها. عاش مثل كثير من أبناء الريف الفلسطيني حياة بسيطة، يعمل في الزراعة ويقتات من أرضه. لكن ضيق الحياة والظروف دفعاه لاحقاً إلى الانتقال إلى حيفا حيث عمل في سكة حديد فلسطين.
تعرف أبو دُرّة إلى الشيخ عز الدين القسّام، وتأثر بشخصيته الثورية وبفكره المقاوم. لم يكن اللقاء عابراً؛ فقد انضم إلى حلقته النضالية وشارك معه في معركة أحراج يعبد الشهيرة، التي استشهد فيها القسّام مع عدد من رفاقه. يومها شددت القوات البريطانية الطوق على الأحراج، لكن يوسف أبو دُرّة تمكن من الإفلات من الحصار، واختفى عن الأنظار لفترة، قبل أن يعود إلى الميدان حين اشتعلت الثورة.
مع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، التحق أبو دُرّة بالثورة تحت قيادة الشيخ عطية أحمد عوض قائد منطقة جنين. ومنذ ذلك الوقت بدأت عمليات الثوار تتسع، فهاجموا المستعمرات والقلاع العسكرية البريطانية والصهيونية في المناطق الممتدة بين جنين وحيفا.
وعندما استشهد الشيخ عطية في معركة اليامون، تولى يوسف أبو دُرّة قيادة المعركة، وتمكن الثوار من تحقيق الانتصار. بعد ذلك أُوكلت إليه قيادة المنطقة خلفاً لقائده الشهيد، فأصبح واحداً من خمسة قادة كبار يقودون الثورة في فلسطين.
ومنذ ذلك الحين لمع اسمه في الجليل والمثلث والكرمل.
بحلول خريف عام 1937، استطاع أن يمد نفوذه الميداني من منطقة جنين إلى قضاء الناصرة ومحيط حيفا. كان يتحرك مع مجموعات صغيرة من المقاتلين، لكن تأثيره كان كبيراً. ومن أبرز المعارك التي خاضها معركة الكرمل في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1938، وكذلك معركة أم الزينات في قضاء حيفا، حيث واجه الثوار قوة بريطانية ضخمة تجاوز عددها الألف جندي تؤازرهم ثلاث عشرة طائرة، بينما لم يكن مع أبو دُرّة سوى بضع عشرات من المقاتلين.
انتهت المعركة باستشهاد خمسة من الثوار، لكن الخسائر في صفوف القوات البريطانية كانت كبيرة. يومها انتشرت إشاعة تقول إن يوسف أبو دُرّة استشهد، لكنه أصدر بياناً يصف فيه المعركة ويختمه بكلمات حاسمة:
«هذا، وإني أعلن أنه لا صحة مطلقة للإشاعة القائلة إنني، أنا يوسف سعيد أبو دُرّة، قد أصبت بضرر ما».
لم يكتفِ أبو دُرّة بحرب الجبال والوديان. فقد قاد هجوماً جريئاً على سجن عتليت المحصّن، وتمكن مع رجاله من اقتحامه وتحرير عدد من الأسرى. كما طاردته القوات البريطانية مراراً، وحاصرت مجموعته أكثر من مرة، لكنه كان ينجح في الإفلات، مستفيداً من تضاريس الجبال واحتضان الناس للثوار.
وفي واحدة من العمليات الجريئة أرسل أحد رجاله لاغتيال الحاكم البريطاني لجنين (موفت) ومساعد لواء نابلس داخل مكتبه، في رسالة واضحة بأن الثورة قادرة على الوصول إلى قلب الإدارة الاستعمارية.
لكن السنوات الأخيرة من الثورة كانت قاسية. فبعد أن توقفت عام 1939، اضطر أبو دُرّة إلى الانسحاب نحو دمشق ثم إلى الأردن. وفي الطريق اعتقلته دورية من الجيش الأردني، فاحتُجز فترة في الكرك قبل أن يقوم الجنرال غلوب باشا بتسليمه إلى سلطات الإحتلال البريطاني.
نُفِّذ حكمُ الإعدام بحقه عام 1940 في الأردن، ثم نُقل جثمانه إلى القدس حيث سُلِّم إلى عائلته، قبل أن يُوارى الثرى في قريته سيلة الحارثية التي خرج منها فلاحاً بسيطاً، وعاد إليها شهيداً وقائداً من قادة الثورة.
حين نكتب عن هؤلاء الرجال نشعر أحياناً أن الكلمات قليلة، وأن المقالات مهما طالت لا تستطيع أن تفيهم حقهم. فالحقيقة أن الشهداء لا ينتظرون منّا أن نعطيهم قيمة؛ هم الذين أعطونا القيمة. هم الذين جعلوا لفلسطين معنى في قلوبنا، وجعلوا لكتابتنا سبباً.
يوسف أبو دُرّة لم يكن مجرد اسم في سجل الثورة الفلسطينية. كان واحداً من أولئك الذين ناموا ليالي طويلة على ضفاف الوديان، في وادي القرن ووادي الحبيس، يحملون بنادقهم ويقاسمون الجبال بردها وخطرها، لكي تبقى فلسطين حيّة.
وهكذا يُكتب تاريخ الشعوب: بدم الشهداء قبل حبر المؤرخين.
مراجع:
▪︎مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج3، ق2، بيروت 1971
▪︎ أكرم زعيتر: وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1918-1939)، بيروت 1979



أضف تعليق
قواعد المشاركة