حين احترق العراق وإيران… تغيّر الشرق الأوسط وخسرت فلسطين

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

لم تكن الحرب العراقية الإيرانية مجرد نزاع حدودي بين دولتين متجاورتين، بل كانت لحظة مفصلية أعادت تشكيل الشرق الأوسط لعقودٍ لاحقة. ثماني سنوات من القتال المتواصل لم تُنتج منتصراً حقيقياً، لكنها أطلقت سلسلة طويلة من الانهيارات السياسية والاقتصادية والأمنية ما تزال المنطقة تعيش آثارها حتى اليوم.

في صباحٍ ثقيل من سبتمبر عام 1980، عبرت القوات العراقية الحدود نحو إيران بأوامر من الرئيس العراقي صدام حسين، في تقديرٍ سياسي رأى أن الفوضى التي أعقبت الثورة الإيرانية تمثل فرصة لإعادة رسم ميزان القوة في الخليج. بدا القرار آنذاك قائماً على حسابات حرب قصيرة وحاسمة، تُنهي التوتر الحدودي وتمنح بغداد موقع القيادة الإقليمية.

لكن الحرب التي كان يُفترض أن تُحسم خلال أسابيع تحولت إلى واحدة من أطول وأقسى الحروب التقليدية في القرن العشرين.

الخوف كان عاملاً مركزياً في اندلاع الصراع. فالثورة الإسلامية في إيران أثارت قلق القيادة العراقية من احتمال انتقال المدّ الثوري إلى الداخل العراقي، في ظل تركيبة اجتماعية ودينية حساسة. ومع تراكم الخلافات التاريخية حول شط العرب والحدود المشتركة، لم تكن المنطقة بحاجة سوى إلى شرارة واحدة كي تنفجر المواجهة.

وسرعان ما تجاوزت الحرب حدودها الثنائية لتصبح ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح. حصل العراق على دعم سياسي واستخباراتي وعسكري من قوى دولية رأت في إضعاف إيران الثورية مصلحة استراتيجية خلال سنوات الحرب الباردة، فيما قدمت دول خليجية دعماً مالياً واسعاً لبغداد خشية تمدد الثورة الإيرانية إلى داخلها.

غير أن تدفق الدعم لم يُنهِ الحرب، بل أطال عمرها. تحولت الجبهات إلى خطوط استنزاف ثابتة، وأُرسل مئات الآلاف من الشباب إلى الخنادق وحقول الألغام في حربٍ أعادت مشاهد النزيف الجماعي التي عرفتها أوروبا في حروب القرن الماضي.

احترقت المدن الحدودية، تعطلت الموانئ، واستُنزفت القدرات العسكرية والاقتصادية للبلدين بالكامل. العراق خرج من الحرب مثقلاً بديون هائلة رغم امتلاكه أحد أقوى جيوش المنطقة آنذاك، بينما دفعت إيران ثمناً بشرياً واقتصادياً بالغ القسوة. لم تُدمَّر الأسلحة فقط، بل دُمّرت حياة جيلٍ كامل نشأ على صفارات الإنذار بدلاً من أصوات المدارس.

وكان من بين أكثر الأجيال التي دفعت ثمن تلك الحرب مواليد عام 1957 في العراق، إذ استُنزف كثير منهم في جبهات القتال حتى كادوا يُمحون من الذاكرة الاجتماعية، بل شُطب عددٌ كبير منهم بشكلٍ شبه كامل من السجل المدني بفعل سنوات الحرب الطويلة وخسائرها البشرية الفادحة.

ولم تكن الخسارة عراقية أو إيرانية فحسب. ففي خضم هذا الاستنزاف، تراجعت قضايا المنطقة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى هامش الاهتمام السياسي العربي والإسلامي. الموارد المالية والدبلوماسية التي كان يمكن أن تُوظف لدعم فلسطين استُهلكت في سباق السلاح، بينما تفرقت الأولويات بين جبهات الصراع بدلاً من توحيدها.

انتهت الحرب رسمياً عام 1988 دون تغيير حاسم في الحدود أو تحقيق نصر واضح لأي طرف. لكن تداعياتها الحقيقية بدأت بعد ذلك. فالعراق المنهك اقتصادياً دخل لاحقاً مرحلة حصار طويل أعقبته حرب مدمّرة انتهت بتفكيك مؤسسات الدولة تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها لاحقاً. وهكذا تحوّل بلد استنزفته حرب طويلة إلى ساحة صراع جديدة دفع ثمنها المجتمع بأكمله.

وفي المقابل لم تخرج إيران من دائرة الصراع. فمنذ نهاية الحرب وحتى اليوم، تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضغوطاً وعقوبات وتوترات مستمرة مرتبطة ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي وقدراتها العسكرية. وبين الحسابات الدولية والمخاوف الأمنية، بقي المواطن الإيراني يعيش تحت وطأة صراعٍ سياسي واقتصادي مفتوح.

بعد أكثر من أربعة عقود، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: من الذي انتصر فعلاً؟

وفي سنوات لاحقة، ظهر الرئيس صدام حسين في تسجيلٍ مصوَّر تحدّث فيه بنبرةٍ أقرب إلى المراجعة، معترفاً بندمه على اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. وقال: إن بعض الدول العربية ودول الخليج دفعت باتجاه إطالة أمد الحرب مع إيران، بهدف إنهاك العراق وإشغال جزءٍ كبير من قدرات ايران الخيرة.

العراق دُمّر بعد أن استُنزف، وإيران ما تزال تواجه ضغوطاً متصاعدة، والمنطقة بأكملها أصبحت أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية. لقد أثبتت التجربة أن الحروب لا تنتهي عند صمت المدافع، بل تستمر في الاقتصادات المنهكة، وفي الأجيال التي كبرت وسط الخوف، وفي القضايا العادلة التي تراجعت…


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

حين احترق العراق وإيران… تغيّر الشرق الأوسط وخسرت فلسطين

لم تكن الحرب العراقية الإيرانية مجرد نزاع حدودي بين دولتين متجاورتين، بل كانت لحظة مفصلية أعادت تشكيل الشرق الأوسط لعقودٍ لاحقة. ث… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون