بين بغداد وغزة… دمٌ يكتب فجراً مؤجّلاً
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في عام 1258، سقطت بغداد تحت وقع هجوم التتار، في واحدة من أكثر صفحات التاريخ إيلاماً وقسوة. لم يكن السقوط مجرد هزيمة عسكرية، بل كان انهيار مدينةٍ كانت قلب الحضارة وموطن العلم والمعرفة. اجتاح التتار المدينة، فعاثوا فيها فساداً وقتلاً ودماراً. قُتل مئات الآلاف، بل قيل إن عدد الضحايا بلغ نحو مليوني إنسان من أصل ستة ملايين كانوا يسكنونها. تحولت الشوارع إلى أنهارٍ من الدماء، وخربت المساجد، وأحرقت المدارس، وألقيت الكتب في دجلة حتى تغيّر لون مياهه من كثرة ما ألقي فيه من تراث الأمة.
كان الرعب الذي خلّفه التتار عظيماً إلى درجة أن الناس تناقلوا مقولة أصبحت رمزاً لحجم الخوف الذي استقر في القلوب: "إذا قيل لك إن التتار قد انهزموا فلا تصدّق." بدا وكأن هذه القوة التي اجتاحت العالم لا تُهزم، وكأن الليل قد طال إلى الأبد.
لكن التاريخ كثيراً ما يُخفي مفاجآته في أكثر اللحظات ظلمة.
لم يكن أهل بغداد، في لحظات الألم والدمار تلك، يعلمون أن دماءهم ستتحول يوماً إلى وقود يوقظ الأمة من سباتها. لم يكونوا يعلمون أن تلك المأساة ستزرع في القلوب غضباً وعزماً يعيد رسم ملامح التاريخ.
لم تمضِ سوى سنتين فقط.
في عام 1260، وعلى أرض عين جالوت في سهل بيسان، وقع ما لم يكن كثيرون يصدقونه. هناك، واجه جيش المسلمين بقيادة القائد المملوكي قطز جحافل التتار التي أرعبت العالم لسنوات طويلة. وفي معركةٍ حاسمة، تجرّع التتار مرارة الهزيمة. سقطت أسطورة الجيش الذي لا يُهزم، وتفرّقت جموعه، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ المنطقة.
إن دروس التاريخ لا تتكرر بالحرف ذاته، لكنها كثيراً ما تحمل المعنى نفسه.
ولعلّ أهل غزة اليوم، وهم يعيشون تحت ثقل الألم والحصار والخوف، لا يعلمون أن ما يعانونه من دموعٍ وتشريدٍ وجوعٍ وبرد قد لا يكون نهاية الحكاية، بل ربما بدايتها. فالتاريخ علّمنا أن الأمم كثيراً ما تستيقظ على وقع الجراح، وأن الألم أحياناً يكون الشرارة التي تعيد للأمة وعيها وكرامتها.
غزة اليوم مدينةٌ مثقلة بالحزن، لكنها أيضاً مدينة صامدة، يكتب أهلها بصبرهم فصلاً آخر من قصة طويلة من المعاناة والأمل. وبين الأنقاض والدموع، لا يزال الناس يتمسكون بخيطٍ رفيع من الرجاء، رجاء أن يتحول هذا الليل الطويل يوماً إلى فجر.
ولعل كلمات القرآن الكريم تظل تهمس في القلوب وسط العتمة:
{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
قد لا يكون الطريق قريباً أو سهلاً، وقد لا تأتي اللحظة المنتظرة سريعاً، لكن التاريخ يخبرنا أن الليل مهما طال، لا بد أن ينكسر عند أول خيط من نور.
وأن الدماء التي سالت يوماً في بغداد، كما الدموع التي تُسكب اليوم في غزة، قد تكون يوماً ما بداية قصة مختلفة… قصة فجرٍ يتأخر، لكنه لا يغيب.
إننا رغم كل شيء أقرب إلى الفرج مما نظن



أضف تعليق
قواعد المشاركة