المؤرِّخُ الفلسطينيُّ عبد الوهاب الكيّالي… صوتٌ أسكتهُ الرّصاصُ ولم تُسكِتهُ الكلمات
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في السابع من كانون الأول/ديسمبر عام 1981، استيقظ الفلسطينيون والعرب على خبرٍ ثقيل: اغتيال المؤرخ والمفكر الفلسطيني عبد الوهاب الكيالي في العاصمة بيروت. لم يكن الخبر مجرد حادثة أمنية عابرة في زمنٍ اعتادت فيه المنطقة على العنف، بل كان سقوط صوتٍ فكريٍّ كبيرٍ كرّس حياته للدفاع عن فلسطين وكتابة تاريخها بوعي الباحث وصدق المناضل.
في ذلك الصباح الشتوي، دوّى الرصاص في حي ساقية الجنزير، وسرعان ما انتشر الخبر كالصاعقة في الأوساط الثقافية والسياسية: اغتيال المؤرخ عبدالوهاب الكيالي في عملية نُسبت إلى الموساد. ومع رحيله، لم تفقد فلسطين كاتباً أو أكاديمياً فحسب، بل خسرت عقلاً موسوعياً جعل من التاريخ ساحة مقاومة، ومن الكلمة جبهة نضال لا تقل أهمية عن أي ميدان آخر.
وُلد الكيالي في مدينة يافا عام 1939، المدينة التي شكّلت ذاكرته الأولى قبل أن تقتلعها النكبة من حياته. فمع النكبة الفلسطينية 1948، غادر الطفل مدينته مع آلاف الفلسطينيين الذين تحوّلت حياتهم بين ليلة وضحاها إلى رحلة لجوء طويلة. انتقل إلى الأردن، وأكمل دراسته الثانوية بين عمّان وبيروت، قبل أن يلتحق بـ الجامعة الأمريكية في بيروت حيث بدأت ملامح شخصيته الفكرية والسياسية تتشكل.
في أروقة الجامعة لم يكن طالباً عادياً. كان شاباً مسكوناً بأسئلة الحرية والتحرر، فانخرط في النشاط الطلابي المؤيد لحركات التحرر العربية. وفي عام 1960 فُصل مع عدد من زملائه بسبب مشاركتهم في مظاهرات داعمة للثورة الجزائرية، قبل أن يعود إلى مقاعد الدراسة بعد إضرابات طلابية واسعة، ليحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية عام 1961.
لاحقاً، انضم الكيالي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وبرز ناشطاً سياسياً وفكرياً في الشأن الفلسطيني. تنقل بين العمل الإعلامي والسياسي، وعمل في الكويت ضمن وزارة الإرشاد والأنباء، قبل أن يعود إلى بيروت ليواصل مسيرته الأكاديمية ويحصل على درجة الماجستير عام 1965.
لكن شغفه الحقيقي كان البحث والتوثيق. أراد أن يكتب تاريخ فلسطين من منظور أبنائها، لا من روايات خصومها. لهذا شدّ الرحال إلى لندن حيث حصل عام 1970 على درجة الدكتوراه، وكانت أطروحته عن تاريخ المقاومة العربية الفلسطينية ضد الاستعمار والصهيونية، وهو الموضوع الذي سيصبح محور حياته الفكرية.
لم يكن الكيالي باحثاً معزولاً في برجٍ أكاديمي. كان مثقفاً عضوياً يرى أن المعرفة يجب أن تتحول إلى قوة في معركة الوعي. لذلك أسس المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وترأس تحرير مجلة مجلة قضايا عربية، كما أنشأ المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، الذي سعى من خلاله إلى إصدار دراسات وموسوعات سياسية وعسكرية تخدم فهم الصراع في المنطقة.
كما لعب دوراً بارزاً داخل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث انتُخب عضواً في لجنتها التنفيذية بين عامي 1974 و1977، وتولى رئاسة دائرة الشؤون التربوية والثقافية فيها. بالنسبة له، لم تكن السياسة منفصلة عن الفكر؛ فقد كان يؤمن بأن معركة فلسطين تُخاض بالعقل كما تُخاض بالبندقية.
لكن الرصاص اختار أن يسكت هذا الصوت في ذروة عطائه. اغتيل الكيالي وهو في قلب مشروعه الفكري، يكتب ويؤسس وينشر، محاولاً أن يضع بين أيدي الفلسطينيين والعرب سردية موثقة لتاريخهم ونضالهم.
ترك وراءه إرثاً فكرياً غنياً، من أبرز مؤلفاته: المطامع الصهيونية التوسعية، وتاريخ فلسطين الحديث، والمقاومة الفلسطينية والنضال العربي، إضافة إلى العديد من الدراسات التي حللت القضية الفلسطينية بعمق تاريخي وسياسي.
بعد اغتياله، نُقل جثمانه إلى عمّان حيث وُوري الثرى، لكن الحزن لم يكن حزن عائلة أو أصدقاء فحسب، بل حزن جيلٍ كامل من المثقفين والمناضلين الذين أدركوا أنهم فقدوا واحداً من أهم عقولهم.
رحل عبد الوهاب الكيالي جسداً، لكن كلماته بقيت حيّة في الكتب التي كتبها، وفي الوعي الذي ساهم في تشكيله. فالأفكار على عكس أصحابها، لا يمكن اغتيالها. وربما لهذا السبب بالذات كان اغتياله محاولةً لإسكات ذاكرةٍ كاملة… ذاكرة فلسطين التي ظل يكتبها حتى آخر نبضٍ في حياته.
المصادر والمراجع:
▪︎الموسوعة الفلسطينية، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق.
▪︎عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
▪︎عبد الوهاب الكيالي، المطامع الصهيونية التوسعية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
▪︎عبد الوهاب الكيالي، المقاومة الفلسطينية والنضال العربي.
▪︎وثائق وأرشيف منظمة التحرير الفلسطينية.
▪︎أرشيف الجامعة الأمريكية في بيروت.



أضف تعليق
قواعد المشاركة