غزة و«صحاب الأرض»… خذلانٌ لا تمحوه الكاميرا

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

أكثر من عامين من الحرب لم يكونا مجرد رقمٍ في نشرات الأخبار. كانا اختباراً أخلاقياً مكشوفاً للجميع. للسياسيين أولاً، نعم. لكن أيضاً للفنانين، وللمثقفين، ولكلّ من يملك منبراً أو كاميرا أو قدرةً على التأثير.

غزّة لم تكن خبراً عابراً. كانت تحت النار، تحت الحصار، تحت الجوع. وكانت تنتظر موقفاً… لا عملاً مؤجلاً.

ثم جاء «صحاب الأرض».

وجاء معه السؤال الذي لا يريد أن يصمت: هل هذا توثيقٌ للألم… أم محاولةٌ متأخرة للوقوف في منطقةٍ آمنة بعد أن دفعت غزّة الثمن وحدها؟

أين كانت هذه الأصوات حين كانت الأحياء تُمحى من الخريطة؟

أين كانت الكاميرات حين كانت العائلات تُدفن تحت الركام؟

أين كانت المواقف الصريحة حين كانت المستشفيات تتوقف لأن المعابر أُغلقت؟

الفن ليس تفصيلاً خارج المشهد. ومن يملك منصةً ولا يستخدمها في لحظة المجزرة، لا يستطيع لاحقاً أن يقدّم نفسه شاهداً شجاعاً. الصمت في زمن خذلان غزّة لم يكن حياداً… كان راحةً.

ليست القضية مسلسلاً بقدر ما هي توقيت.

ليست القضية أداءً تمثيلياً، بل غياباً أخلاقياً.

غزة لم تكن بحاجة إلى إعادة تمثيل ألمها. ألمها كان مباشراً، فاضحاً، بلا مؤثرات. كان أطفالها يُنتشلون من تحت الأنقاض أمام العالم. كان الجوع يتسلل إلى البيوت. وكان السؤال يتردد:

لماذا أُغلق المعبر؟

من الذي قرر أن يُحاصر أكثر من مليوني إنسان؟

أين كانت الأنظمة العربية حين كانت غزّة تختنق؟

وأين كانت الشعوب العربية والإسلامية؟

من الذي اختار البيانات الباردة بدل الفعل؟

خذلان غزة ليس شعاراً عاطفياً. هو وصفٌ لواقعٍ سياسي. المعابر لا تُغلق وحدها. الحدود لا تُقفل صدفةً. والمواقف الباهتة لا تسقط من السماء. هناك قرارات، وهناك حسابات، وهناك صمتٌ اختير بعناية.

وحين يأتي العمل الفني بعد أن يهدأ بعض الغبار، يخشى الناس أن يتحول وجعهم إلى مشهد، وأن تصبح المأساة مادةً قابلةً للاستهلاك. أن يُعاد سرد الألم بدل مساءلة من صنعه أو سكت عنه.

غزّة لا تريد بطولةً على الشاشة.

تريد شجاعةً في لحظة الخطر.

لا تريد موسيقى حزينة في النهاية، بل موقفاً واضحاً في البداية.

غزة أكبر من مسلسل،

وأقسى من أن تُختصر في حلقات.

وخذلانها لن تمحوه الكاميرا.

في زمن النار، تُختبر الضمائر.

ومن اختار الصمت حين كانت غزة تصرخ، سيبقى أمام سؤالٍ لا يختفي:

أين كنتم حين كانت الأرض تحترق؟


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة و«صحاب الأرض»… خذلانٌ لا تمحوه الكاميرا

أكثر من عامين من الحرب لم يكونا مجرد رقمٍ في نشرات الأخبار. كانا اختباراً أخلاقياً مكشوفاً للجميع. للسياسيين أولاً، نعم. لكن أيضاً… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون