غزة… مدينةٌ تُقصفُ بالصّواريخ ويخنُقُها الصّمت
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في مكانٍ ما على خارطة العالم، توجد بقعة صغيرة اسمها غزة. صغيرة في المساحة، كبيرة في نشرات الأخبار، وأكبر من ذلك في فواتير الألم المؤجلة. في غزة لا تُقاس الأيام بالساعات، بل بعدد مرات انقطاع الكهرباء، ولا يُعرّف الليل بغياب الشمس، بل بغياب الأمان.
يقول المنطق إن المدن تُبنى لتعيش. أما في غزة، فتُبنى لتُهدم، ثم تُبنى من جديد، وكأنها تدخل مسابقة سنوية لأفضل إعادة إعمار لن يكتمل. الأسمنت في غزة لا يُستخدم فقط في تشييد البيوت، بل في ترميم المعنويات، وفي سدّ الثقوب التي تتركها السياسة في جدران الحياة.
في غزة الاقتصاد نظرية، والبطالة واقع، والوعود الدولية نوع من الأدب الخيالي. تُعقد المؤتمرات في عواصم بعيدة، تُلتقط الصور، تُرفع الشعارات اللامعة، ثم تعود غزة إلى جدول انقطاع الكهرباء المعتاد، وكأن شيئاً لم يكن. وحدها الشموع تحفظ ماء وجه الليل.
الطوابير في غزة ليست للترف؛ هي طوابير خبز، وطوابير ماء، وأحياناً طوابير انتظارٍ لخبرٍ لا يأتي. الأطفال يحفظون أسماء الطائرات كما يحفظ غيرهم أسماء الطيور. والفرق بينهما، أن الطيور تغرّد، أما الأخرى فتلقي دروساً في الجغرافيا بالقوة.
السياسة كعادتها بارعة في تقسيم الأدوار: بيانات شجب هنا، وقلق عميق هناك، واجتماعات طارئة تتكرر حتى فقدت طارئها. أما غزة فدورها ثابت: أن تكون العنوان العريض لكل نشرة، ثم الهامش الصغير في نهاية الاهتمام.
ورغم ذلك تمارس المدينة هوايتها العنيدة: الحياة. تفتح المحال أبوابها كلما استطاعت، يذهب الطلاب إلى مدارسهم ولو فوق الركام، يبتسم الناس في الأعراس كما لو أن الفرح فعل مقاومة. في غزة الضحكة ليست دليلاً على الغفلة، بل إعلاناً صريحاً أن الكسر لم ينجح.
ربما المشكلة أن العالم يتعامل مع غزة كخبر عاجل دائم، لا كحياة يومية تستحق الاستقرار. الخبر العاجل يبرر السرعة، ويبرر النسيان أيضاً. أما الحياة اليومية، فتحتاج عدالة، ومسؤولية، وقراراً شجاعاً بأن البشر هناك ليسوا أرقاماً قابلة للتحديث.
غزة اليوم ليست مجرد ساحة صراع، بل مرآة كبيرة تعكس عجز السياسة حين تتفوّق عليها الإنسانية. مدينة تحاول أن تعيش في مساحة ضيقة بين الحصار والانتظار، بين الركام والأمل.
وفي النهاية قد تختلف التحليلات، وتتباين المواقف، لكن يبقى السؤال البسيط الذي لا يحتاج مؤتمراً دولياً للإجابة عنه:
هل يحق لمدينة أن تطلب فقط ما تطلبه كل المدن أن تعيش؟



أضف تعليق
قواعد المشاركة