حزنٌ على غزة… وخيبةٌ من الذين يتحدثون باسمها

منذ 4 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

لم تكن غزة وهي تُسحق تحت نارٍ لا ترحم، بحاجةٍ إلى خطاباتٍ مصقولة تُراعي حساسية الصالونات الأوروبية، ولا إلى بياناتٍ موزونةٍ على ميزان “القانون الدولي” الذي لم يحمِ طفلاً واحداً من تحت الركام. كانت بحاجةٍ إلى صوتٍ يشبهها: مبحوحاً، غاضباً، صادقاً، لكن ما سمعناه في كثير من الأحيان كان شيئاً آخر… شيئاً أبعد ما يكون عن وجعها.

في خضم هذا الألم، عاد اسم ليلى شهيد إلى الواجهة، بعد مسيرةٍ في العمل الدبلوماسي، ومساحةٍ واسعةٍ من التقدير لدى قطاعاتٍ فلسطينية رأت فيها نموذجاً “للدبلوماسية الراقية” في أوروبا. غير أن لحظة الامتحان الكبرى لم تكن في قاعات الاستقبال ولا في مقابلات الصحف الغربية، بل كانت في الموقف: كيف يُسمّى الدم؟ وكيف يُعرّف الفعل حين يخرج من بين أنقاض الحصار؟

بعد أسابيع من السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفي مقابلة مع صحيفة “لو مانيتيه” الفرنسية، اختارت ليلى شهيد أن تصف ما جرى بأنه “جريمة حرب”. قد يبدو الوصف، في قاموس العلاقات الدولية، متسقاً مع لغة القانون، لكنه في ميزان شعبٍ يعيش تحت احتلالٍ استيطاني منذ أكثر من سبعة عقود، بدا لكثيرين سقوطاً في فخ المساواة الأخلاقية بين الضحية والجلاد.

ليست المسألة هنا في دقة المصطلح، بل في سياقه. حين يُختزل انفجار المقهور في توصيفٍ قانونيٍ معزول عن تاريخٍ من الاقتلاع والحصار والاستيطان، فإن الرواية تُبتَر، ويُنتزع الفعل من جذوره. يصبح الفلسطيني فجأة طرفاً في “نزاعٍ متكافئ”، لا شعباً يواجه منظومة استعمارية شاملة. وتتحول الإدانة إلى مادةٍ جاهزةٍ في يد آلة الدعاية التابعة لكيان الاحتلال لتبرير الإبادة بوصفها “حقاً في الدفاع عن النفس”.

هنا تتجلى الفجوة المؤلمة بين خطاب النخبة الدبلوماسية وواقع الناس. في الوقت الذي كانت فيه غزة تُمحى أحياؤها عن الخريطة، ويُدفن أطفالها بأرقامٍ لا بأسماء، بدا أن بعض من يتحدثون باسم الفلسطينيين مشغولون بتجويد اللغة لا بتسمية الجريمة الأصلية: الاحتلال ذاته. كأن المطلوب من الضحية أن تعتذر عن غضبها، وأن تطمئن العالم إلى أنها ما زالت تؤمن بقواعد لعبةٍ صُممت أصلاً لحماية الأقوياء.

الخيبة لا تتعلق بشخصٍ بعينه، بل بنمطٍ كاملٍ من “الدبلوماسية المُهذبة” التي تراكمت عبر سنوات قيادةٍ رسميةٍ رفعت شعار “الشرعية الدولية” بينما كانت الأرض تتآكل، والمستوطنات تتكاثر، والحصار يشتد. من يزعم تمثيل الشعب الفلسطيني لا يُقاس بقدرته على كسب تعاطف العواصم، بل بقدرته على حفظ كرامة الرواية، وعدم التنازل عن جوهرها تحت أي ضغط.

غزة اليوم لا تطلب خطباً بليغة. تطلب صدقاً. تطلب أن يُقال للعالم إن ما يجري ليس “جولة عنف”، بل استمرارٌ لمشروع اقتلاع بدأ منذ 1948 ولم يتوقف. تطلب أن يُرفض منطق المساواة بين من يقاوم ليبقى، ومن يقاتل ليُفني. تطلب أن يشعر أهلها أن من يتحدث باسمهم يرى دمهم أولاً، لا صورته في الإعلام الغربي.

الحزن مضاعف: حزنٌ على الضحايا، وحزنٌ على اللغة حين تخذلهم. خيبةٌ من كل من ادعى تمثيل هذا الشعب ثم ارتبك أمام امتحان الحقيقة. خيبةٌ لأن غزة، التي تدفع الثمن الأكبر، ما زالت تبحث عمّن يحمل صوتها كما هو… بلا اعتذار، وبلا خوف، وبلا مواربة.

في زمن الإبادة، لا يكفي أن تكون دبلوماسياً ناجحاً. عليك أن تكون وفياً. وغزة، التي تُكتب بدم أبنائها كل يوم، لا تغفر كثيراً لمن يخذلها.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

حزنٌ على غزة… وخيبةٌ من الذين يتحدثون باسمها

لم تكن غزة وهي تُسحق تحت نارٍ لا ترحم، بحاجةٍ إلى خطاباتٍ مصقولة تُراعي حساسية الصالونات الأوروبية، ولا إلى بياناتٍ موزونةٍ على مي… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون