هواري بُومدين…الصّوتُ الذي كانت تحتاجُهُ غزة اليوم!
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.لم يكن مجرد رئيسٍ حكم الجزائر ثلاثة عشر عاماً، بل كان في ذاكرة الجزائريين صورةً لزمنٍ قاسٍ تشكّل من الحديد والنار، ومن شعورٍ عارمٍ بالكرامة الوطنية. هو الرجل الذي قيل إن أمه لم تكن تدرك أن ابنها صار رئيس دولة، والذي لم يفتح أبواب المسؤولية لأقاربه، ولم يُميّز أخاً عن ابن شعبه في الخدمة الوطنية. كان يؤمن أن الدولة ليست غنيمة، وأن الثورة ليست سلّماً للمصالح.
هو الذي وقف في الأمم المتحدة عام 1974، وألقى خطاباً بالعربية في سابقةٍ عربيةٍ مدوية، فكانت كلماته امتداداً لروح التحرر التي حملتها الجزائر إلى العالم الثالث. وهو الذي ربط اسم الجزائر بفلسطين، وقال عبارته التي ما زالت تتردد: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة.”
اليوم وغزة تُذبح على مرأى العالم في حرب إبادةٍ قاسية، يتساءل كثيرون:
ماذا لو كان هواري بومدين حياً؟
هل كان سيصمت أمام صور الأطفال تحت الركام؟
هل كان سيكتفي ببيانات الشجب، أم كان سيقلب الطاولة في المحافل الدولية كما فعل يوم جعل من منبر الأمم المتحدة ساحةً لمواجهة الاستعمار؟
لو كان بيننا، لربما رأيناه يخاطب العالم بلغةٍ لا تعرف المواربة.
كان سيقول إن فلسطين ليست قضية حدود، بل قضية كرامة أمة.
كان سيذكّر بأن السلاح ليس دائماً رصاصة، بل موقفاً، وأن النفط ليس برميلاً فقط، بل ورقة سيادة.
ربما كان سيجمع دول الجنوب كما جمعها يوماً حول فكرة نظام اقتصادي عالمي أكثر عدلاً. وربما كان سيعيد للخطاب العربي نبرته الحادة، ويمنح غزة سنداً سياسياً صلباً في زمنٍ تتكاثر فيه الحسابات الضيقة.
هو الذي رفض أن يتعالج خارج بلده، وقال: دعوني أموت في وطني.
مات وبقيت صورته عند كثيرين رمزاً للصرامة والنزاهة، ولرئيسٍ قيل إنه لم يترك في حسابه سوى دنانير معدودة. وحين دخل في غيبوبته الأخيرة، قيل إن كرسي الحكم ظل فارغاً احتراماً له، كأن الدولة نفسها كانت تنتظر أن يفتح عينيه.
اليوم في زمن الانكسارات العربية، يبدو اسم هواري بومدين كأنه يُستدعى من ذاكرةٍ مثقلة بالحنين. ليس لأن الماضي كان كاملاً، بل لأن الحاضر مؤلم. وغزة وهي تنزف، تستحضر في مخيلة البعض رجالاً كانوا يرون في فلسطين مرآةً لثوراتهم.
لو كان حياً، ربما كان سيغضب.
وربما كان سيخطب.
وربما كان سيحشد.
لكن المؤكد أن صوته كان سيعلو قائلاً إن الأمة التي لا تسجد إلا لله، لا تركع لإرادة المعتدي.
رحم الله هواري بومدين…
ورحم غزة، وهي تبحث وسط كل هذا الخراب والدمار عن رجالٍ يشبهون زمن الكرامة.



أضف تعليق
قواعد المشاركة