من رعاية الحرب إلى ادّعاء صناعة السلام: ازدواجية الدور الأمريكي في غزة!
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.لم يكن الدور الأمريكي في حرب غزة تفصيلاً هامشياً، بل كان عنصراً مؤثراً في مسارها منذ اللحظة الأولى. فقد قدّمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً وسياسياً واسعاً لكيان الاحتلال، وأحبطت عبر نفوذها قرارات في مجلس الأمن الدولي كانت تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، مانحةً العمليات العسكرية غطاءً دولياً وزمناً إضافياً للاستمرار.
هذا الانحياز لم يُقرأ في المنطقة بوصفه اصطفافاً تقليدياً مع حليف، بل باعتباره شراكة فعلية في إدارة الحرب سياسياً، وعسكرياً. فحين تُغلق أبواب الإدانة الدولية، وتُؤمَّن الحماية الدبلوماسية، يصبح الدعم جزءاً من بنية القرار لا مجرد تأييد خارجي له.
غير أن التحوّل جاء حين اصطدمت الحرب بحدودها: كلفة إنسانية مرتفعة، ضغط رأي عام عالمي متصاعد، وتعقيدات ميدانية تُضعف إمكانية الحسم السريع. هنا انتقلت واشنطن من موقع المساند للعمليات إلى موقع الداعي لوقفها، ومن خطاب “الحق في الدفاع” إلى خطاب “ضرورة التهدئة” وترتيبات ما بعد الحرب.
هذه المفارقة من دعم الحرب إلى رعاية السلام ليست حدثاً عابراً، بل نمطاً متكرراً في سلوك القوى الكبرى. فالسياسة الأمريكية، شأنها شأن سياسات القوى العظمى تاريخياً، تتحرك وفق منطق المصلحة لا وفق ثبات أخلاقي صارم. حين تكون الحرب أداة ضغط تخدم أهدافاً استراتيجية، تُمنح الوقت والغطاء؛ وحين تتحول إلى عبء سياسي وأخلاقي، يبدأ البحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ النفوذ ويحدّ من الخسائر.
لكن الإشكال الأعمق لا يكمن في تبدّل المواقف، بل في تداعياته على صورة الولايات المتحدة نفسها. فحين ينتقل الفاعل الدولي من دعم العمليات إلى قيادة مسار السلام، يواجه سؤالاً جوهرياً: هل هو وسيط نزيه، أم طرف يسعى لإدارة نتائج معركة كان جزءاً من سياقها؟
إن ما يجري في غزة يكشف مرة أخرى أن السلام في النظام الدولي المعاصر لا يولد دائماً من قناعة أخلاقية بوقف العنف، بل كثيراً ما يولد من استحالة استمراره. وبين هذين الحدّين تتحرك القوى الكبرى، تعيد تموضعها، وتعيد صياغة خطابها، دون أن تتخلى عن هدفها الأهم: الحفاظ على نفوذها وترتيب الإقليم بما ينسجم مع مصالحها.
قد تُعلَن التهدئة، وقد تُؤسَّس لجان لإعادة الإعمار، لكن ذاكرة الشعوب تحتفظ بتسلسل الأدوار جيداً. ومن الصعب على الرأي العام أن يفصل بين من وفّر غطاء الحرب ومن يتقدّم اليوم ليتحدث باسم السلام.
وفي نهاية المطاف، يبقى التاريخ شاهداً: من يمدّ الحرب بغطائه، لا يمكن أن يُصوَّر اليوم كراعٍ للسلام إلا بغلاف زائف.



أضف تعليق
قواعد المشاركة