حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج
توفيق سعيد حجير
ناشط فلسطينيللسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً من أركان الإسلام، وذلك نتيجة إجراءات تنظيمية تستبعد حملة "وثيقة السفر الفلسطينية" من المشاركة في بعثات الحج، ويأتي هذا الحرمان في وقت كانت فيه وزارة الأوقاف السورية قد فتحت باب التقديم لحملة "الوثيقة" ضمن الإجراءات المعتمدة قبل أن يتبيّن لاحقاً أن الرفض جاء من الجانب السعودي وبصورة متأخرة ما أدخل مئات المتقدمين في حالة من الإرباك والانتظار دون نتيجة.
هذا الحرمان المتكرر لم يعد تفصيلاً إدارياً عابراً بل تحوّل إلى سياسة إقصاء ذات آثار دينية اجتماعية واقتصادية عميقة، تمسّ شريحة واسعة من اللاجئين الفلسطينيين السوريين وتطرح تساؤلات جدية حول العدالة والمسؤولية واحترام الالتزامات العربية والدولية تجاههم.
بروتوكول الدار البيضاء: التزامات معطّلة
في عام 1965، أقرّت جامعة الدول العربية بروتوكول الدار البيضاء بوصفه إطاراً منظماً لحقوق اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة ونصّ البروتوكول – نظرياً – على منح الفلسطينيين معاملة قريبة من معاملة المواطنين في مجالات العمل والتنقل والإقامة مع الحفاظ على هويتهم وجنسيتهم الفلسطينية وضمان حصولهم على وثائق سفر معترف بها.
غير أن ما يجري اليوم بعد ستة عقود على إقرار هذا البروتوكول يكشف فجوة واسعة بين النصوص والواقع إذ يُحرم اللاجئ الفلسطيني السوري من حق ديني خالص لا يرتبط بإقامة دائمة ولا بوظيفة ولا بامتياز مدني بل بأداء شعيرة تعبدية مؤقتة لا تستدعي هذا النوع من التمييز أو الإقصاء.
الحج شعيرة دينية لا امتياز مدني
من المهم التأكيد أن الحج ليس رحلة سياحية ولا إقامة في بلد آخر ولا باباً للوظائف أو الامتيازات بل هو عبادة محددة الزمن واضحة الغاية يؤدّيها المسلم ثم يعود إلى بلده أو مكان لجوئه.
وعليه، فإن استثناء اللاجئين الفلسطينيين السوريين – تحديداً حملة وثيقة السفر – من أداء هذه الشعيرة في وقت تُتاح فيه لمختلف الجنسيات والفئات يُعدّ ظلماً وقهراً وتمييزاً غير مبرر ويمسّ جوهر العدالة الدينية التي يفترض أن تكون فوق الحسابات الإدارية والسياسية.
ضرب مصادر الرزق وتضييق على الفئات الأضعف
لا يقتصر أثر هذا القرار على الحجاج فقط بل يمتد ليطال أصحاب مكاتب الحج والعمرة والإداريين من فلسطينيي سورية الذين يُعدّ هذا القطاع بالنسبة لكثير منهم مصدر رزق أساسي في ظل أوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.
والمفارقة المؤلمة أن هذه الشريحة تضم في معظمها طلبة علم ومشايخ ودعاة وهم أصلاً من أقل الفئات دخلاً وأكثرها اعتماداً على هذا العمل الموسمي.
إن حرمانهم من المشاركة لا يعني فقط منعهم من الحج بل إغلاق باب رزق مشروع ومراكمة مزيد من التضييق الاقتصادي عليهم.
تداعيات اجتماعية تمس النسيج السوري
يمتد أثر هذا الحرمان أيضاً إلى النسيج المجتمعي السوري الذي تشكّل عبر عقود طويلة من التعايش والمصاهرة بين الفلسطينيين والسوريين فآلاف العائلات اليوم مختلطة بحكم اللجوء الطويل والعيش المشترك والروابط الاجتماعية العميقة.
في هذا السياق تُطرح حالات واقعية ومؤلمة:
سيدة سورية ترغب بأداء فريضة الحج لكن زوجها فلسطيني سوري وهو محرمها الشرعي فيُمنع من السفر والنتيجة حرمان الطرفين معاً وهكذا يتحوّل قرار إداري إلى سبب مباشر في حرمان شريحة من السوريين أنفسهم لا الفلسطينيين وحدهم.
مطالب واضحة ومسؤوليات قائمة
انطلاقاً من كل ما سبق نطالب بما يلي:
مراجعة عاجلة من قبل هيئة الحج والعمرة وأصحاب القرار في المملكة العربية السعودية لهذه الإجراءات وإعادة النظر في آليات التعامل مع حملة وثيقة السفر الفلسطينية.
ضغط جدي وملحّ من وزارة الأوقاف السورية على الجانب السعودي لتسوية أوضاع اللاجئين الفلسطينيين السوريين ومساواتهم بالسوريين في ما يخص أداء فريضة الحج وفتح مجال الاستثناء لهم هذا العام.
تحرّك فوري ومسؤول من السفارة الفلسطينية بوصفها جهة رسمية فالتغاضي عن مثل هذه القضايا يطرح سؤالاً مشروعاً حول دورها وفاعليتها وجدوى وجودها إن لم تتدخل في قضايا تمسّ أحد أقدس حقوق مواطنيها.
خاتمة
إن استمرار حرمان اللاجئين الفلسطينيين السوريين من أداء فريضة الحج للعام التاسع على التوالي لا يمكن تبريره بإجراءات إدارية أو ذرائع تنظيمية وهو مسألة عدالة دينية وكرامة إنسانية واختبار حقيقي لمدى الالتزام العربي بحقوق اللاجئين الفلسطينيين.
وإلى أن يُعاد النظر في هذه السياسات، سيبقى السؤال مفتوحاً:
كيف يُحرم لاجئ من فريضة دينية باسم أنظمة يفترض أنها وُجدت لخدمة الحجاج لا لإقصائهم؟



أضف تعليق
قواعد المشاركة