فاجعةُ غزة: أشلاءٌ بلا أسماء وضميرٌ دوليٌّ ميّت!

منذ ساعتين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في غزة، لا تنتهي المأساة عند عدد الشهداء، ولا تتوقف عند صور الدمار، ولا تُختصر في بيانات الإدانة الباردة. في غزة، تمضي المأساة أبعد من ذلك بكثير… تمضي إلى لحظة يقف فيها إنسانٌ أعزل أمام أشلاء بشرية، لا يعرف إن كان يودّع ابنه، أو أخاه، أو جاراً لم يتعرّف عليه بعد.

في غزة، في هذا الشريط المحاصر، لم تعد الجنازات تعرف أصحابها، ولم تعد الأكفان تحمل أسماء. الغزيون يدفنون أشلاءً مجهولة، يوارون التراب ما تبقى من أجساد، وهم يعلّقون قلوبهم على سؤال قاسٍ: هل ما ندفنه الآن هو أحد مفقودينا؟ أم أن مفقودينا ما زالوا تحت الركام، ينتظرون دورهم في الوداع؟

في غزة، لم يعد الموت حدثاً استثنائياً، بل صار تفصيلاً يومياً. صار العاديّ هو أن تبحث الأم عن بقايا ابنها، وأن يفتّش الأب في المشافي المدمّرة عن أي أثر يدلّ على أن فلذة كبده كان هنا. لم يعد السؤال: «هل استشهد؟» بل: «هل وجدتم منه شيئاً؟».

المشافي، التي يُفترض أن تكون ملاذاً أخيراً للحياة، تحولت إلى محطات فرز للأشلاء. أطباء بلا أدوات، بلا كهرباء، وبلا قدرة على التعرّف إلى الضحايا. أكياس سوداء مرقّمة بدل الأسماء، ودفاتر ناقصة بدل سجلات الشهداء. حتى الموت في غزة فقد كرامته، لأن العالم قرر أن يدير ظهره.

ووسط هذا كله، يقف العالم متفرجاً. يراقب الإبادة لحظة بلحظة، يشاهد الأطفال يُنتشلون بلا ملامح، والنساء يصرخن بأسماء لا يجيب عنها أحد، ثم يكتفي بعبارات مكررة عن «القلق» و«ضبط النفس». أي خذلان هذا الذي يجعل دفن الأشلاء مشهداً عادياً على شاشات الأخبار؟

غزة لا تطلب المستحيل. لا تطلب سوى أن يُعترف بإنسانيتها، وأن يُعترف بأن من يُقتلون هنا بشر، لهم أسماء وذكريات وبيوت وأحلام مؤجلة، لكنها تُقابل بصمتٍ دوليٍّ فاضح، وبمعايير مزدوجة تفرّق بين دمٍ ودم، وبين ضحية وأخرى.

الخذلان لا يأتي فقط من القصف، بل من هذا الصمت الثقيل، من هذا التواطؤ غير المعلن، ومن هذا العجز المصطنع عن وقف المجزرة. الخذلان يأتي حين يصبح دفن الأشلاء خبراً عابراً، وحين تُختصر الإبادة في شريط عاجل، ثم يُطوى.

في غزة، لا يُشيَّع الشهداء وحدهم، بل تُشيَّع القيم الإنسانية، ويُدفن معها ما تبقى من ضمير هذا العالم. كل قبرٍ بلا اسم هو شهادة إدانة، وكل جسدٍ بلا ملامح هو سؤال موجّه إلى البشرية جمعاء: إلى متى؟

وإلى أن يجيب العالم، سيواصل الغزيون الدفن… لا لأنهم اعتادوا الفاجعة، بل لأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الموت، والخذلان، والصمت.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

فاجعةُ غزة: أشلاءٌ بلا أسماء وضميرٌ دوليٌّ ميّت!

في غزة، لا تنتهي المأساة عند عدد الشهداء، ولا تتوقف عند صور الدمار، ولا تُختصر في بيانات الإدانة الباردة. في غزة، تمضي المأساة أبع… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون