غزة… الحزن الذي يصنع تاريخاً!

منذ 4 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

جلستُ أمام صورٍ لا تُنسى: وجوه صغار وكبار، بيوت نصفها حجارة ونصفها انتظار، وسماء تمزّقها صفارات إنذار لا تنتهي.

غزة اليوم ليست مجرّد خطوطٍ على الخريطة أو حدودٍ مغلقة، بل سجلّ طويل من الخسارات المتراكمة، حيث يصبح الأمان وعداً باهتاً، والورقة توقيعاً لا يحمي، والسلاح في أحيان كثيرة آخر ما تبقّى من كرامة واحتجاج.

التاريخ علّمنا أن من يفرّط في سلاحه قد يفرّط في تاريخه. لكن غزة ليست مجرّد درسٍ عابر، بل بشرٌ يعيشون على الهامش بين ضحكةٍ خافتة وبكاءٍ طويل، يتجرّعون الحرمان ويطفئون لياليهم على ضوء الخوف والشك. يتذكّرون وعوداً قيلت لهم، ويتذكّرون أيضاً صفقاتٍ أُبرمت على حساب أحلامهم. فالأوراق الموقَّعة لا تعيد بيتاً مهدوماً، ولا تشفي جرحاً، ولا تُرجع طفلاً اختطفه صاروخ في صباحٍ عابر.

الحكاية ليست عن بنادق فقط، بل عن حقٍّ في الاختيار. حين يُطلب من شعب أن يتخلّى عن وسيلته الوحيدة للدفاع، يُطلب منه في الواقع أن يسلّم مفاتيح بيته، وأن يمحو تاريخه من ذاكرة الصمود. في ذلك الطلب تكمن خديعة قديمة: أن ينتهي وجودك لحظة لا تملك فيها ما تحمي به نفسك.

غزة قبل كل شيء هي إنسان. إنسان لا يُقاس بالقوّة العسكرية أو الموارد الاقتصادية، بل بقدرته على الصمود، على الحب، على بناء فرنٍ صغير يخبز به رغيفاً، على أمٍّ تعلّم طفلتها كيف تبتسم رغم الخراب. في كل بيتٍ هناك جرح، وفي كل جرحٍ حكاية وداع وحنين. يشتاق الناس إلى بسمةٍ عابرة، إلى حياةٍ عادية بلا أصوات انفجارات.

الحزن هنا مركّب: حزن على الماضي، غصّة على الحاضر، وخوف من المستقبل. الحاضر محاصر بجدران عالية، وبحياة مقطوعة من الكهرباء والدواء، والمستقبل يبدو كمرآةٍ مكسورة تعكس صوراً مشوّهة لاحتياجات بسيطة: ماءٍ نظيف، مدرسةٍ آمنة، ملعبٍ للأطفال بدل الركام.

ورغم ذلك، تظهر المقاومة بأشكال مختلفة: مقاومة البقاء، مقاومة الذاكرة، مقاومة الكرامة. ليس كلّ من يحمل سلاحاً قاتلاً، فكثيرون يريدون فقط أن يقولوا: "نحن هنا… نريد أن نعيش." وعندما يُسلب الصوت من الإنسان، يبحث عن وسيلة أخرى ليُسمِع العالم.

السلام الحقيقي لا يُبنى على تجريد شعبٍ من أدوات الدفاع، ولا على أوراقٍ تُوقَّع في غرفٍ مغلقة. بل على عدالةٍ تُترجم إلى أفعال: فتح معابر، إعادة إعمار، حماية المدنيين، وتوفير فرص حياة كريمة. غزة لا تحتاج إلى خطاباتٍ وشعارات، بل إلى اعترافٍ بإنسانية أهلها، وإرادةٍ تحفظ لهم حقّهم في مستقبلٍ آمن.

يبقى الحزن مرآةً لوعينا. نحزن على بيوتٍ انهارت، على أحلامٍ توقفت، على أطباقٍ لم تُقدَّم لأطفال جائعين، لكن في قلب الحزن نورٌ خافت: نور الإصرار على أن يبقى الإنسان إنساناً. غزة الحزينة لا تريد أن تكون أسطورة قوّة، بل حكاية عودة إلى حياةٍ تُحترم فيها كرامة من يعيشونها.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

بين أنينِ نور وصمتِ العالم… دعاءُ أمٍّ من غزة

في منزلٍ أنهكته الحرب، وتسلّل إليه البرد والخوف معاً، لا يُسمع سوى أنين طفلةٍ يتردّد في الجدران المتصدّعة. تجلس سمر إسماعيل حما… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون