غزة بيدٍ واحدةٍ ضدّ العالم: بيان الإسعاف الفلسطيني
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.غزة تُترك وحدها، ومسعفٌ يقود الحياة بيدٍ واحدة.
في لحظةٍ لا تختصر حدثاً، بل تاريخاً كاملاً من القهر والمقاومة، يطلّ مُسعفٌ من غزة، لا بوصفه بطلاً خارقاً ولا أيقونةً سينمائية، بل بوصفه الإنسان الفلسطيني كما صاغه الحصار والحاجة: مُنهكاً، مُحاصراً، ومُجبراً على أن يكون كلَّ شيءٍ في اللحظة نفسها.
سيارةُ إسعافٍ تشقّ الطريق بسرعةٍ أقرب إلى الفزع منها إلى العجلة، تتمايل تحت ثقل الجرحى، حتى ليخيَّل للناظر أنها لا تسير على الإسفلت، بل تُقاوم السقوط في الفراغ. في داخلها، أجسادٌ تُنزف بلا أسماء، أنفاسٌ تتقطّع كأنها تُعدّ موتها، وزمنٌ يُنتزع من قبضة الفناء ثانيةً بعد ثانية.
وخلف المقود، يدٌ تُصارع الوقت، وباليد الأخرى يُنعش طفلةً، كأنها فلسطينُ مصغّرة: هشّة، مستهدفة، محمولة على كفّ الاحتمال الأخير، لكن قلبها رغم كل شيء ما زال يُصرّ على الخفقان.
هذا المشهد ليس لقطةً عابرة، ولا مادّةً عاطفيةً صالحةً للاستهلاك السريع على شاشات الهواتف. هذا بيانٌ سياسيٌّ كامل، مكتوبٌ بالدم، والسرعة، والارتجال القسري. بيانٌ يقول إن غزة تُترك وحيدةً لتدير جحيمها بأدواتٍ لا تكفي للحياة، بينما العالم «المتحضّر» يتقن إدارة الصمت، وإعادة تدوير البيانات، وضبط نبرة «القلق العميق» بحيث لا تزعج أحداً.
أن يُجبر مسعفٌ على القيادة والإنعاش في اللحظة نفسها، فذلك ليس مجرّد بطولةٍ فردية، بل فضيحةٌ أخلاقية كاملة لمنظومةٍ دولية تعرف القوانين حين تخدم مصالحها، وتنسى الإنسان حين يكون فلسطينياً. في غزة، لا تعمل المؤسسات كما ينبغي، لأن القصف لا ينتظر البروتوكولات، ولأن الاحتلال لا يمنح رفاهية التقاط الأنفاس.
في غزة، لا تبقى المِهن على حالها. تتحوّل الوظائف إلى أفعال نجاة.
المسعف يصبح طبيباً، وسائقاً، ومقاتل وقتٍ في آنٍ واحد.
الأمّ تتحوّل إلى درع.
والطفل يُدفع باكراً ليكون مشروع شهادةٍ مؤجَّلة.
ليس لأنهم مفتونون بالموت، بل لأن الحياة تُفرض عليهم بوصفها معركةً يومية، لا خيار فيها للحياد.
أيُّ بطولةٍ أعظم من هذا؟
بطولةُ إنسانٍ يعرف أن احتمالات نجاته ضئيلة، ومع ذلك يضغط على البنزين، ويضغط على صدر طفلة، ويضغط على قلبه كي لا ينهار.
بطولةُ شعبٍ يُقصف من السماء، ويُحاصر من البر، ويُخنق من البحر، ثم يُطالَب ببرودٍ وقح أن يكون «عاقلاً»، و«متزناً»، و«غير انفعالي»، كأن المطلوب من الضحية أن تُتقن آداب نزفها.
غزة لا تطلب شفقة. الشفقة ترفُ من يملك خيار النظر بعيداً.
غزة تطلب اعترافاً:
اعترافاً بأن ما يجري ليس قدراً أعمى، بل جريمةٌ مستمرة.
وبأن هذا المسعف ليس استثناءً نادراً، بل صورةٌ مكثّفة عن شعبٍ كاملٍ يُجبر على إنقاذ نفسه بنفسه، لأنه تُرك عن سابق إصرار بلا حماية.
هذا شعبٌ لا يموت، لا لأن الموت لا يزوره، بل لأنه كلما زاره، فشل في أن يأخذه كاملاً.
شعبُ فلسطين جديرٌ بالحياة، لأنه في قلب المجزرة، وتحت أقسى شروط الفناء، ما زال يختار الحياة، ويقودها بأقصى سرعة ممكنة، ولو بيدٍ واحدة.



أضف تعليق
قواعد المشاركة