الإنسانية في زمن اللامبالاة والاستعراض الرقمي

منذ يومين   شارك:

أسماء الصانع

كاتبة من قطاع غزة

هذه المرة أقولها بصدق لا ينبغي أن يكون استقبال عام جديد أمرا عاديا، لا بد من أن يرافقه إحساس فارق ينهض بإنسانيتنا، ويرتقي بها إلى مستوى يليق بمعجزة النجاة من الإبادة، فنحن نعيش زمنا صار فيه التباهي بالفرح فعلا غير بريء؛ ليست المشكلة في الفرح ذاته، بل في استعراضه، وكأن مدينة لم تنزف فيها دماء أكثر من سبعين ألف شهيد، وما زالت.

 

كأي زوجة فقدت شريك حياتها، صار اهتمامي بأطفالي الثلاثة شغلي الشاغل. أحاول ترميم فقدهم ويتمهم، بعد أن أصبحوا مركز أيامي، أعيد ترتيب عالمهم الصغير، وأبحث لهم عن مساحات تخفف ثقل الغياب، وتكسر روتين الوحشة والانكسار.

 

في لحظة امتنان صادقة، نشرت على صفحتي في إنستغرام صورة لهم وهم يتناولون الحلوى في مطعم، لم تكن الصورة استثنائية، لكنها بدت لي حينها كأنني أنقذت لحظة فرح من بين أنقاض الحزن؛ محاولة أم لتضميد ألم، لا أكثر. لكن أول من رأى الصورة كانت أما فقدت جميع أطفالها في حرب الإبادة. هناك توقفت اللحظة، وانقلب الامتنان صدمة. بدأت أحاسب نفسي: هل كان هذا الفرح بريئا؟ هل تسببت، -دون قصد- في وجع جديد لقلب مكلوم؟

 

لم تكن تلك محاسبة جلد للذات، بقدر ما كانت تهذيبا للأخلاق وارتقاء بالإنسانية. وبدأت حينها أعلن توبة صامتة بداخلي من آثام لا ننتبه إليها، لكننا نقترفها بلا وعي؛ من خطايا صغيرة حسبناها عادات بريئة، وتصرفات اعتدناها حتى أثقلت أرواحنا من حيث لا نشعر...

 

ومن هذا الوعي المؤلم، نستقبل عام 2026 عامًا جديداً لا يجوز أن يُطوى بعشوائية، بل يتطلّب إدراكًا أعمق لمسؤوليتنا عمّا ننشره ونبثّه عبر منصات تعجّ بالتنافس المسموم، وحبّ الظهور، والاستعراض؛ فيُشعل الحسد، ويُثير الكآبة، ويقلب الأحوال، ويحول العيش إلى ضيقٍ وسخط.

 

ليس مجازاً، بل مساءلة اخلاقية كيف يمكن للمرء أن يضحك، أن يحتفل، أن يغني لطفله، بينما تُسحب آلاف الأطفال من الحياة دفعةً واحدة، ففي الحرب الأخيرة على غزة منذ أكتوبر 2023 ارتقى ما يقارب 20,000 طفل شهيد، فيما يوجد 56,348 طفلاً يتيماً (أطفال بلا والدين أو أحدهما)، فيما تُفجع عزيزي القارئ بإصابات الحرب التي بلغت 169,583 إصابة، 19000 بحاجة إلى تأهيل طويل الأمد، فيما بلغت حالات البتر 4,800 ، بينهم (18% أطفال).

 

ثم تتجدد المساءلة كيف لك أن تتباهى بدفء بيتك، فيما عائلات كاملة تذوب تحت المطر داخل خيامٍ مهترئة، أن تتغزّل النساء بدفء أزواجهن، وفي الجهة المقابلة واحد وعشرون ألف امرأة فقدن السند في حربٍ واحدة، فيما قتل الاحتلال أكثر من 12500 امرأة خلال عامين فقط.

 

كيف انحدرت الإنسانية إلى هذا القاع بهذه السهولة؟ كيف عادت الحياة إلى مسارها وكأن الإبادة خبرٌ عابر، وكأن موت الآخرين لا يفرض علينا سوى دقيقة صمتٍ باردة ثم نعود إلى يومنا مطمئنين؟ في زمنٍ كهذا لا تكمن الخطيئة في أن نعيش، بل في أن نعيش بلا ارتجاف، بلا وخز ضمير، وبلا محاولة لتفكيك ذلك الامتياز الغريب الذي يجعل نجاتنا ممكنة، وموت غيرنا قدرًا محتومًا.

 

هذه ليست دعوة لكره الفرح، بل لمحاكمته، لسؤالٍ قاسٍ: أيّ نوعٍ من البشر نكون حين لا يُزعجنا أننا بخير بينما يُمحى غيرنا؟ حيث في غزة تسجل أرقام صادمة تفضح الإنسانية وحقوق الإنسان التي باتت بلا قيمة أمام 39,022 أسرة تعرضت للمجازر الدموية، فيما أُبيدت 2700 أسرة ومُسحت من السجل المدني، و كان مصير 6020 أسرة أن تُباد ويبقى منها ناجياً وحيداً، مذبحة جماعية تعدت أشكال الموت خلالها حيث ارتقى أيضاً 460 شهيداً بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم (154) طفلاً.

 

 

هذه حقيقة عادلة وعامّة أفراحنا ليست للعرض في ساحاتٍ يختلط فيها الصادق بالمزيّف، والسويّ بغير السويّ، والحاقد بغيره، وأحزاننا لا ينبغي أن تُبالغ أو تُستغل، وذكريات الفقد تُروى بقدر، وبنيّة الصبر وابتغاء الأجر، لا لغرض الظهور أو جمع التفاعل.

مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

أسماء الصانع

الإنسانية في زمن اللامبالاة والاستعراض الرقمي

هذه المرة أقولها بصدق لا ينبغي أن يكون استقبال عام جديد أمرا عاديا، لا بد من أن يرافقه إحساس فارق ينهض بإنسانيتنا، ويرتقي بها إلى … تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون