وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!

منذ 15 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

لم يكن لقائي بالدكتور أنيس صايغ حدثاً عابراً في سيرةٍ شخصية، ولا لحظةً عابرة في ذاكرةٍ بحثية. كان أشبه بوقوع القلب على يقينٍ نادر، وبعثرة الروح أمام رجلٍ علّم الأمانة قبل أن يعلّم المعرفة، وبقي في الذاكرة حزناً لا يبهت وكرامةً لا تنطفئ.

عرفته أوّلاً قارئاً؛ أطالعه بين سطور «صحيفة السفير اللبنانية» كل يوم جمعة، وأجمع مقالاته كما تُجمع التحف. ثم عرفته معلّماً يأخذ بيدي إلى دقّة المنهج وأخلاق الباحث، ثم عرفته إنساناً لا يفصل بين العلم والصدق، ولا بين فلسطين والكرامة.

وكلّما توغّلت في معرفته، ازداد يقيني أنّ لقائي به لم يكن مصادفة، بل نعمة لا تتكرّر. كان صبوراً، شهماً، صارماً في الحقيقة، كريماً في الوقت والمعرفة، واسع الرؤية، لا تغريه الألقاب ولا تستوقفه الطوائف. كان يؤمن بأنّ الإنسان يسبق كل انتماء، وأنّ فلسطين هي البوصلة التي لا تحيد.

وحين أنهيت مخطوطة كتابي «عشائر قضاء عكا – اقتلاعهم من أراضيهم بدأ خلال الاحتلال البريطاني»، الذي صدر لاحقاً عن دار بيسان في بيروت عام 2016، كان طبيعياً أن أضعها بين يديه. تابع تفاصيلها معي حرفاً حرفاً، ووعدني أن يكتب مقدّمتها بعد عودته من عمّان.

لكنّ القدر لم يمهله… ورحل.

رحل قبل أن يعود، وقبل أن يكتب، وقبل أن نكمل الحديث الذي تركناه مفتوحاً كنافذةٍ على ضوءٍ لم يكتمل.

كان يمكن لغيره أن يكتب المقدّمة. وصلتني عروض من شخصيات وازنة، ًًلكنني رفضت. ليس زهداً بالأسماء، بل وفاءً لرجلٍ أضاء طريقي. كان القرار سهلاً: إمّا مقدّمة الدكتور أنيس صايغ… أو لا مقدّمة.

ولأنّ الغياب أقسى من أن يُعوَّض، قرّرت أن أكتب المقدّمة بلسانه؛ لا ادّعاءً ولا تقليداً، بل حبّاً ووفاءً لذلك الأستاذ الذي كان يمكن أن يكتب، لو أنّ الموت انتظر قليلاً.

والآن، أضع بين أيديكم مقدّمة كتابي كما كتبتُها بلسانه، وفاءً لأستاذٍ لم يفارقني، وإن غاب.

 

تقديم الدكتور أنيس صايغ (كما تخيّلته)

 

 

«إلى أنيس صايغ، الذي أوقد الحروف يوماً في ليلي مشاعلَ أستنيرُ بها، وأتّقي كلّ عثرة وكبوة، ومدّ جسورَ التواصل بين الحاضر والماضي، فدَلّني على الدرب الذي يفضي إلى الغد والأمل بوجهي، كي أضع أولى خطاي عليها في محاولة التنقيب في ماضٍ تكاد تضيع ملامحه وتهتز.

كان قد قطع أنيس صايغ وعداً على نفسه، أن تكون مقدّمة هذا الكتاب من جهده ومن نتاج فكره. ربما أراد فيها أن يرسمَ ملامحاً ورديّة لقضية ناضل هو من أجلها، ودفع ما كان يملكه فقير متواضع للدفع. ولكن الموتَ لم يَمُدّ في عمره بعضَ الشيء ولم يُمهله، فرحلَ مسرعاً ولم يُتِمّ وعدَهُ ويَفِ به.»

 

وحين نتذكّر أمثال الدكتور أنيس صايغ، ندرك كم خسر الذين لم يعرفوه، وكم خسر الذين لم تتح لهم الحياة فرصة اللقاء به أو الإصغاء إلى حكمته وحضوره.

فهو من تلك القامات التي لا تتكرّر، والاقتراب منها كان يشبه الوقوف في ظلّ شجرة وارفة… تمنحك علماً، وصدقاً، ونقاءً.

وما كتابتي لهذه الذكريات إلّا محاولة متواضعة لحفظ شيءٍ من نوره، ولأقول إنّ هناك أشخاصاً يبقون أكبر من الغياب، وأقوى من الزمن… وحقٌّ على من عرفه أن يشهد بأنّ خسارة الذين لم يلتقوه لا تقلّ مرارة عن فجيعة من فقده.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!

لم يكن لقائي بالدكتور أنيس صايغ حدثاً عابراً في سيرةٍ شخصية، ولا لحظةً عابرة في ذاكرةٍ بحثية. كان أشبه بوقوع القلب على يقينٍ نادر،… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون