البرد يحاصر غزّة... والصمت يكمّل الجريمة

منذ يوم   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

لا يموت الغزّيون برداً لأنّ الطقس قاسٍ فحسب، بل لأنّ القسوة صارت نظاماً، ولأنّ البرد تحوّل إلى أداة من أدوات الحرب. في غزة لم يعد الشتاء فصلاً عابراً، بل حكماً بالإعدام البطيء، يُنفَّذ على أجساد أنهكها الحصار، وأرواحٍ تُركت بلا حماية.

 

في خيامٍ لا تقي من الريح ولا تصدّ المطر، يرتجف الأطفال تحت أغطية رقيقة، إن وُجدت أصلا.ً السماء مثقوبة، والأرض مبتلّة، والبرد يتسلّل إلى العظام كما يتسلّل الصمت إلى الضمير العالمي. في غزة لا تُقاس درجات الحرارة بمقاييس الأرصاد، بل بعدد الأجساد التي لم تحتمل ليلةً أخرى بلا دفء.

 

ليست المأساة في انخفاض الحرارة وحده، بل في غياب أبسط مقوّمات النجاة. لا وقود للتدفئة، ولا كهرباء، ولا منازل تؤوي أصحابها. يُحاصَر الغزّيون حتى في حقّهم بالاحتماء من البرد، بينما تُغلَق المعابر، وتُمنَع المساعدات، ويُترك الناس في مواجهة الطبيعة بلا أي وسيلة دفاع.

 

المفارقة القاتلة أنّ العالم يراقب. تُنقَل الأرقام، وتُبَثّ الصور، وتُعقَد المؤتمرات، لكنّ الأغطية لا تصل، والمدافئ لا تدخل، والخيام تبقى هشّة أمام الريح. يُحصى عدد الصواريخ، ولا يُحصى عدد الأطفال الذين قضَوا ليلهم يرتجفون حتى توقّف القلب.

 

ما يجري في غزة ليس كارثةً طبيعية، بل جريمة سياسية. البرد في غزة نتيجة مباشرة للحصار، ولقرارٍ دولي غير معلَن بترك الناس يموتون ببطء، بعيداً عن ضجيج القصف، وقريباً من صمت العالم. حين يُمنَع الدفء عن الضحية، وتُمنَح النار للجلّاد، يصبح الشتاء شريكاً في القتل.

 

يموت الغزّيون برداً، والعالم يتدفّأ بالبيانات الباردة. تموت العائلات في الخيام، بينما تُؤجَّل العدالة، ويُرحَّل الألم إلى نشرات الأخبار. وفي كلّ ليلة باردة، يتكرّس السؤال نفسه: كم جسداً آخر يجب أن يرتجف حتى يتحرّك هذا العالم؟

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

«محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ

عن أستاذٍ علّم الأمانة، وترك في الذاكرة حزن الحقيقة وكرامة المعرفة. لا أستطيع أن أحدد بدقّة تاريخ اللقاء الأول الذي جمعني بالدك… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون