الجُوعُ... جنازةٌ يوميّةٌ في غزّة!

منذ 8 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

الجوع ليس خبراً يُنشر في صدر الصحف، ولا مجرد عنوان تلتقطه كاميرات العالم ثم تمضي، بل هو في غزة لعنة متواصلة، وطابور طويل من الذلّ، ونداء لا يجد صدى.

في غزة، الجوع ليس حالة طارئة، بل هو نظام حياة، مفردة قاسية من مفردات البقاء، تُكتب بالدمع وبكسرة الخبز اليابسة.

الوجوه هناك لا تشي بالحياة، الأجساد ذابلة، والعيون غائرة، كأنها تنظر من عمق المقابر.

لو كشف أحدهم عن جسده، لرأيت سجناً محفوراً في الجلد، هيكلاً عظمياً يُشبه جدران المعتقل، لا يسكنه إلا الأنين.

وتحت كل حجر في غزة، أنين مكتوم، صرخة بحجم العالم، لكنها لا تخترق آذاناً صمّاء.

في غزّة لا يطلب الناس طعاماً فاخراً، بل يبحثون عن فتات الخبز، عن كسرة جافة، حتى لو اعتراها العفن، فإنهم ينفضونه عنها، يُقمّرونها تحت شمس الله، ويتقاسمونها كما لو كانت مائدة ملوك.

لأن الجوع لا يُخيّر، والجائع لا يختار، ولأن الطفولة في غزة صارت تلعب بطوابير الانتظار بدلاً من الدمى.

وفي الخلف، تقف الجيوش ببطون ممتلئة، تحرس الطعام من الوصول إلى الجوعى، وتترك الشاحنات تموت على أبواب المعابر، وكأنها تعلم أن القهر أشد وقعاً من الرصاص.

الرجال في غزة لا يركضون خلف الرزق فقط، بل يهربون من العجز، من رؤية أمهاتهم وأطفالهم يسقطون أمامهم، يتهاوون من الجوع، ولا حول لهم ولا قوة.

والنساء هناك بين من آثرن الموت على المذلة، وبين من اقتحمن الصفوف لأن الموت أصبح أهون من أن تُترك بطون أطفالهن خاوية.

لم تعد المائدة تجمع الأهل، بل فرّقتهم الطوابير، كلٌّ في جهة، يبحث عن لقمة يسند بها حياة جنين، أو مريض، أو شيخ يتداعى.

غزة اليوم لا تجوع فقط، بل تتعلم الجوع. تصنع له مناهج وقوانين. يأكل أهلها كل ثلاثة أيام، يصومون لا تعبُّداً فحسب، بل فقراً وقهراً، ويقدّسون وجبة "البقاء" كأنها فرض من فروض النجاة.

هذا الجوع ينهش الكرامة، يُقوّض الروح، يجعل الإنسان أمام خيارين: إما أن ينكسر ويتحوّل إلى ما دون الإنسان، أو أن يفرّ إلى الله، متخففاً من كل حاجة، قابضاً على ما تبقى من الكرامة واليقين.

غزة لا تموت من الجوع، بل من القهر. من شعورها بأنها وحدها، وأن صرخاتها لا تُسمع، وأن كرامتها تُذبح كل يوم أمام مرأى العالم.

الجوع في غزة ليس خبراً،

إنه شهادة وفاة لهذا العالم.

في غزة، لا ينتهي الجوع، ولا ينقضي الألم. كل يوم يولد من رحم معاناة جديدة، وكل ليلة تجرّ خلفها أوجاعاً لا تنتهي.

لا أمل في الأفق، ولا وعد بالسلام، بل موت بطيء لا يشبع.

إنهم يموتون كل يوم بصمت، تائهين بين أنينٍ لا يسمعه أحد، وحلمٍ ضائع تحت أنقاض هذا الواقع القاسي.

غزة لا تحتاج إلى أخبار، ولا إلى تعاطف؛ هي تحتاج إلى قلبٍ ينبض من أجلها، إلى روحٍ ترفض أن تصمت أمام هذا الجوع الذي يلتهم أكثر من الجسد، يلتهم الأمل، والكرامة، والإنسانية.

يبقى السؤال... هل سيأتي يومٌ يُكتب فيه لغزة حياة؟ أم أن هذه الأرض ستظل محاصرة بالجوع والقهر، بينما العالم يواصل عبور الزمن دون أن يلتفت إليها؟

غزّة رغم الجوع، ستظل صامدة، ولكن إلى متى؟

[محمود كلّم] كاتب فلسطيني يكتُبُ في الشَّأنين السِّياسيِّ والوجدانيِّ، وَيُعنَى بقضايا الانتماء والهُويَّة الفلسطينيَّة. يرى في الكلمة امتداداً للصَّوت الحُرِّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النِّضال.



مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

ياسر علي

الصحافة الفلسطينية قبل النكبة.. معركة مفتوحة على الذاكرة والهوية

في عام 1948، شكّلت النكبة نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. فمع تدمير المدن وتهجير السكان، توقفت معظم الصحف عن الصدور… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون