حين تُفتحُ الأبوابُ لحميرِ غزّة… وتُغلَقُ في وجهِ أطفالِها

منذ شهرين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في مشهدٍ يفوق الخيال قسوةً وسخريةً، أُعلِنَ مؤخراً عن إجلاءٍ “إنسانيّ” لحمير من قطاع غزّة إلى ألمانيا، بحجّة حمايتها من الحرب والجوع والخطر.

خبرٌ صادم، ليس لأن إنقاذَ الحيواناتِ خطأ، بل لأن هذا الحدث جاء متزامناً مع رفض إجلاء أطفالٍ فلسطينيين مرضى للعلاج؛ أطفالٍ تتآكلُ أجسادُهم تحت الحصار، وتختنقُ رئاتُهم بنقص الدواء، ويموتُ بعضُهم على أسرّةٍ بلا كهرباء… لأسبابٍ وُصِفَت بكل بساطة: سياسيّة.

 

السياسة… تلك الكلمةُ الباردة، التي حين تُستدعى، تُجرِّد الإنسان من إنسانيته، وتُحوِّله إلى رقم، أو عبء، أو “مشكلةٍ لوجستيّة”.

 

الحميرُ نُقِلَت بطائرات، وحُجِزَت لها أماكنُ آمنة، وأُعِدَّت لها تقاريرُ صحيّة، واستُقبِلَت بعنايةٍ واهتمام، وربما ستنال أسماءً جديدةً وحياةً هادئةً خلف أسوارٍ خضراء.

أمّا الأطفال؟

فبقوا في غزّة.

بقلوبٍ مثقوبة، وأجسادٍ هزيلة، وأمّهاتٍ يصرخن في العتمة، وآباءٍ يعدّون الساعاتِ انتظاراً لمعجزةٍ لا تأتي.

 

أيُّ عالمٍ هذا الذي ينجح في تنظيم إجلاءِ حيوانات، ويعجز — أو يتعمّد العجز — عن إنقاذ طفلٍ يحتاج إلى جلسةِ علاجٍ كيماويّ؟

وأيُّ منظومةٍ أخلاقيّةٍ هذه التي ترى في الحمار “كائناً يستحقّ الحياة”، وفي الطفلِ الفلسطينيّ “ملفّاً سياسيّاً معقّداً”؟

 

ليس السؤالُ هنا عن قيمة الحيوان، بل عن انهيارِ معيار القيمة الإنسانيّة.

عن عالمٍ اختلَّ ميزانُه إلى حدٍّ باتت فيه الرحمةُ انتقائيّة، تمرّ عبر الفلاتر السياسيّة، وتُمنَح فقط لمن لا يُحرج الضمير الغربيّ، ولا يُزعج الرواية السائدة.

 

غزّة اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل مرآةٌ كاشفةٌ لنفاقِ العالم.

هناك يُترَك الأطفالُ ليموتوا ببطء، لا تحت القصف فقط، بل تحت الصمت، والتجاهل، والرفضِ المتعمَّد لفتح أبواب العلاج.

 

وحين يُسأل هذا العالمُ يوماً:

أين كنتم؟

سيُجيب بالأوراق، والبيانات، والتبريرات.

لكنّ التاريخَ لن يقرأ المبرّرات…

سيقرأ فقط هذه الجملة القاسية:

 

تمّ إجلاءُ حميرٍ من غزّة إلى ألمانيا،

بينما تُرِكَ الأطفالُ ليموتوا… لأنهم فلسطينيون.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

يوسف مجذوب «أبو جمال» وليلى شهيد: الذاكرة المسروقة

لم تكن مجزرة صبرا وشاتيلا 1982 حدثاً عابراً في حياة من عاشها؛ كانت جرحاً مفتوحاً يسكن الذاكرة كما تسكن الرصاصة الجسد. بعض الجروح ت… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون