سماح إدريس… ذاكرة لقاء، ومرارة الغياب

منذ 3 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في صيف عام 2000، لم أكن أدرك أن اتصالاً واحداً سيقودني إلى واحد من أثمن اللقاءات في حياتي. اتصل بي أخي وصديقي خالد ناجي العلي، طالباً أن أُسلّم بعض رسومات الشهيد ناجي العلي غير المنشورة، والتي كنت أحتفظ بها، إلى شخص يدعى سماح إدريس. كان الاسم يوحي بأنني سأقابل امرأة، ولم أكن قد سمعت به من قبل، رغم أننا نقطن المدينة ذاتها، بيروت؛ هذه المدينة التي تخفي بين أحيائها كثيراً من العقول، وكثيراً من الأسرار.

 

لم يُعطني خالد ناجي العلي سوى رقم هاتفه. وحين اتصلت، وردّ عليّ صوت هادئ، ثابت، عميق النبرة. سألته عن “الأخت سماح”، فابتسم من وراء الخط قبل أن يقول بهدوء: «أنا سماح إدريس». اتفقنا أن نلتقي فوراً، ولم أكن أعلم آنذاك أنني في طريقي للقاء موسوعة كاملة، لا مجرد شخص.

 

انطلقت من حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، قاصداً منطقة الروشة حيث كان ينتظرني. كان الطريق مفعماً بزحمة بيروت الخانقة: طريق المطار، البربير، كورنيش المزرعة… حتى بلغت مكتبة دار الآداب بعد مشقة وتأخير. وهناك، وسط رائحة الكتب، بدأت لحظة لن تتكرر.

 

جلسنا ثلاث ساعات أو تزيد، لكنها بدت كأنها مساحة خارج الزمن. كان حديثنا كله يدور حول الشهيد ناجي العلي، وحول حكيم الثورة جورج حبش (أبو ميساء). كان سماح يتحدث بعين المثقف وبقلب المناضل؛ يلتقط الفكرة كما لو أنها خيط من ضوء، ويعيد نسجها بنبرة المعرفة وعمق الالتزام. شعرت أنني أمام رجل لا يقرأ العالم فقط، بل يعيد كتابته.

 

منذ ذلك اللقاء الأول، لم ينقطع التواصل بيننا، وظلّ يمتد حتى قبل رحيله بمدة قصيرة. أتذكّر اتصاله الأخير جيداً، بصوته الذي خفّت حدّته وبقي دفؤه. طلب مني رقم الكاتب والأديب الفلسطيني سليمان الشيخ(أبو خلدون). لم أكن أعلم حينها أن هذا سيكون آخر خيط يصلني به، وآخر جملة يسمعها مني.

 

رحل سماح إدريس بعد صراع مع المرض، لكنه ترك خلفه ما هو أعمق من الكتب والمقالات والمواقف. ترك أثره فينا نحن الذين عرفناه، أو مررنا بظلّه، أو لامسنا شيئاً من فكره ونبله. كان رحيله خسارة للثقافة العربية، وللفلسطينيين الذين أحبّهم بلا شروط، وللبنان الذي حمله رغم الوجع… ولكن الخسارة الأكبر كانت لفلسطين نفسها؛ فلسطين التي كان سماح أحد أنبل أبنائها المعنويين، وأصدق المدافعين عنها.

 

أما أنا، فكلما عدت بذاكرتي إلى ذلك الطريق الطويل نحو الروشة، أدرك أن الزحام الحقيقي لم يكن في الشوارع، بل في الأسئلة التي حملتها إليك يا سماح، وفي الأجوبة التي منحتني إيّاها. لقد كان لقاؤنا صدفةً صنعت معنى، وذكراك اليوم مرارة غيابٍ ممزوجة بفخرٍ عميق بأنني عرفتك يوماً.

 

سماح إدريس…

سلامٌ عليك يا صديق المعرفة، ويا رفيق الحبر، يا من رحلت وبقيت.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

يوسف مجذوب «أبو جمال» وليلى شهيد: الذاكرة المسروقة

لم تكن مجزرة صبرا وشاتيلا 1982 حدثاً عابراً في حياة من عاشها؛ كانت جرحاً مفتوحاً يسكن الذاكرة كما تسكن الرصاصة الجسد. بعض الجروح ت… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون