فلسطين التي سلبها الزَّمنُ... ذكرياتٌ لا تمُوتُ!

منذ سنة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

يا ليت الزمانَ يعودُ، والدهرَ يُعيدُ ما كان، فننعمَ بليالٍ خلت، وأيامٍ ولَّت، لكنّها في القلبِ لا تزالُ ساكنةً، وفي الرّوحِ تمرُّ كالنّسيمِ، فتبعثُ الحنينَ في العروقِ، وتسكبُ الدّمعَ في العيون.

أين ذاكَ الحيُّ العتيقُ في القدس والخليل ونابلس، حيثُ كانت الأسواقُ تنبضُ بالحياةِ، وأصواتُ الباعةِ تمتزجُ بعبقِ الزعترِ والكعكِ المقدسيّ؟ أين البيوتُ التي كانت مفتوحةً للجيرانِ كما لو أنّها بيتٌ واحدٌ؟ أينَ خبزُ الجدّةِ الساخنُ الممزوجُ بحبّ الأرضِ، ورائحةُ القهوةِ التي كانت تفوحُ في الأزقّةِ القديمةِ، قبل أن يسرقَ الاحتلالُ نبضَ الحياةِ من تفاصيلها؟

كنّا نغفو على صوتِ الحكايا عن أجدادٍ لم يتركوا أرضهم، وعن زيتونٍ صامدٍ منذُ مئاتِ السنين لا تهزُّه العواصفُ ولا تقتلعُه الجرافاتُ. كنّا نسمعُ عن البحرِ الذي كان لنا، عن يافا وحيفا وعكّا، عن المدنِ التي ما زالت تنادي أبناءَها في المنافي.

كان الحنينُ وقتها مجهولاً، لأنّنا لم نكن ندري أنّ السنينَ ستسلبُ منّا كلَّ شيء، وتُبقي لنا فقط ذاكرةً مهترئةً، ومفتاحَ بيتٍ قديمٍ، وحنيناً يوجعُ القلب.

أين جالين؟ أينَ أرضُ عشيرةِ عرب السّمنيّة، التي كانت تعجّ بالطمأنينة وعبق التاريخ؟ أين جبلُ الجرمق الذي كان يشهدُ على قوةِ الصمودِ وعنفوان الأرض؟ أين مرتفعاتُ الصوانة التي كانت تراقبُ بحر غزة، وتتنفسُ هواءَ الماضي؟ أين مياهُ وادي القرن التي كانت تسقي الأرض وتروي الذاكرة؟ وأين وادي كركرة، حيث كنا نستمعُ إلى غناءَ الطيور، وكانت ترددُ أحلامنا؟

اليوم صار كلُّ شيءٍ مختلفاً، حتّى شوارعُنا تغيّرت، والجدرانُ التي كانت تحملُ أسماء أحبتنا صارت شاهدةً على الرّحيلِ والتهجير.

كنّا نكتبُ أسماءَنا على الجدرانِ لنُخلّدَ ذكرياتِ الطفولة، واليومَ تُكتبُ أسماءُ الشهداءِ على نفسِ الجدرانِ لتُخلّدَ حكاياتِ البطولةِ والفداء.

تغيّرتِ الضّحكاتُ، فصارت باهتةً، كأنّها تُقالُ عن وَهَنٍ، أو تُرسمُ على الشّفاهِ كذباً لتخفي الحزن العميق.

ساقَ الله على أيّامٍ كان فيها القمرُ صاحباً، والنّجومُ روّاد الليلِ، والمساءُ قصيدةً نثريّةً تُكتَبُ بحبرِ العُمر.

ليتَ الزّمانَ يعودُ، أو أنّ القلبَ يكفُّ عن الحنينِ، لكنّه كطائرٍ مُهاجر في سماءِ الذّكرى، يُرفرفُ بجناحينِ من شوقٍ، يُحلّقُ في فضاءِ الماضي، ولا يجدُ له مأوىً في الحاضر.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

البدو والعشائر: جذورٌ ضاربة في الأرض وتاريخٌ من المجد والوفاء

حين يُذكر البدو، تُستحضر صورة الإنسان الأصيل الذي ارتبط بالأرض كما يرتبط الجذر بتربته، فلا تزعزعه العواصف ولا تغيّر وجهته تقلّبات … تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون