تحليل لغة الجسد في المؤتمر الصحفي للقيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية

تاريخ الإضافة الخميس 28 آب 2014 - 12:27 ص    عدد الزيارات 629    التعليقات 0

      
حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف
آلام مشبّعة بالعجز والمخاوف تشي بها لغة جسد القيادة الإسرائيلية في لحظة الحقيقة
تحليل مؤتمر الهزيمة: نتنياهو منهك ويعالون شارد وجدانياً وغانتس في مأزقه المصيري

- "نتنياهو وشريكاه عجزوا عن رسم أي إشارة إنجاز إيجابية في ظهورهم خلال المؤتمر الصحفي"
- "القيادة الإسرائيلية توافقت مع حالتها الوجدانية عندما تطرقت إلى الآلام والتعازي"

كشف تحليل لغة الجسد في ظهور القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في مؤتمرها الصحفي ليل الأربعاء، 27 آب/ أغسطس، عن مزيج من الآلام الداخلية، والتعبيرات المفارقة للواقع الوجداني الحقيقي. كما اتضحت حالة متفاقمة من الإنهاك غير المسبوق، والعجز عن مواجهة جمهور الاحتلال برسائل متماسكة أو مجرّد إبداء الجدية في توعّد الفلسطينيين برسائل التهديد المعهودة، فالألفاظ جاءت في معظمها جوفاء، مع استبطان قيادة الاحتلال مخاوف جارفة مما هو آتٍ.
ويكشف الاستشاري الإعلامي حسام شاكر، في تحليله من بروكسيل فداحة الدلالات التي تشي بها لغة الجسد التي ظهر بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير حربه موشيه يعلون، ورئيس الأركان بيني غانتس، خلال المؤتمر الصحفي المتأخر كثيراً في انعقاده.

نتنياهو منهكاً في "خطاب التعزية"
ظهر نتنياهو إلى العالم بوجه مثقل بأمارات الإنهاك أو قلّة النوم، فقد برز في المؤتمر الصحفي الذي تأخّر يوماً كاملاً عن موعده المفترض، بانتفاخ تحت العيون وأعلى الوجنتيْن. إنها نسخة متفاقمة عن حالة شبيهة ظهر فيها خلال الأسبوع الأول من العدوان على غزة، عندما فرضت المقاومة الفلسطينية مفاجآتها ورسمت بواكير الإخفاق الميداني للجيش الإسرائيلي.
كانت ملامح الانكسار والألم تتجلّى بوضوح في وجه نتنياهو في اللحظات التي يضطر فيها إلى تخفيض رأسه لالتقاط الجمل المكتوبة في الورقة المعدّة للإلقاء على المنصّة. ففي تلك اللحظات تبرز جبهته التي تقع أساساً خارج نطاق التحكم الانفعالي كما يمتد جفناه ليغطِّيا بسهولة عينيه المتعبتين، أسوة بمن يستسلم سريعاً لإطباق الأجفان من فرط التعب.
وفي مؤتمره الصحفي التي حظي بمعدلات مشاهدة عالية بعد أن تأخّر طويلاً؛ كان نتنياهو كلما يتطرّق إلى تفاصيل الميدان؛ تتّسع الفجوة بين لغة الجسد ونصوص الكلمات المجرّدة، حتى أنه لم ينجح في استدعاء أيّ من الحركات الاعتيادية المباشرة في التعبير عن الإنجاز، كما لوحظ مثلاً في حديثه عن عدم استسلام جيشه في مقابل المقاومة الفلسطينية. فأقصى ما نجح به هو هزّات مفتعلة بأعلى رأسه؛ كتلك التي يستدعيها المتبارون بسجالات التحدِّي الأجوف المشبّع بالتعالى أو السخرية غير الواقعية.
تحدّث رئيس الوزراء الإسرائيلي عن "جنودنا الأبطال" فأومأ برأسه لا بيده صوب يعالون وغانتس، بينما تعطّلت حركات يديه وذراعيه التي لم تتجاوب معه في مقصد التعبير. جرى ذلك خلافاً لاعتياد نتنياهو تحريك أطرافه بصفّة مبالغ بها على منصّات الخطابة. وقد يعود الأمر في المحصِّلة إلى حالة الإنهاك التي غلبته في ظهوره، كما ارتسم بوضوح على وجهه المنتفخ والممتقع.
تضمّنت كلمة نتنياهو عبارات أريد من صياغتها في الأصل أن تُوحي بالإنجاز والتمكّن، لكنها تدهورت في الأداء إلى نقيض الدلالة المنشودة في النصّ. فعندما ذكر نتنياهو مثلاً أنّ "المهمّة تمّ تحقيقها"؛ لم ينجح في التعبير عن المعنى المرجوّ من ذلك، بل اتجهت قاعدة ذقنه في حركة ضاغطة إلى الأعلى، بما يفصح عن نوع من امتصاص ألم داخلي قد يكون غائراً أحياناً.
وقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي في ظهوره المنكسر؛ إنّ "حماس تلقت ضربة قاسية"، لكنّ صفحة وجهه تقلّصت كمن يستشعر وطأة القسوة الواقعة عليه هو شخصياً وليس على عدوِّه. وما إن تحدّث أيضاً عن "إنجاز"؛ حتى خانته الإيماءات فاتجه إلى خفض رأسه. وما يستدعي تأويلات أبعد من هذا؛ ما جرى عندما تطرّق نتنياهو إلى مصابي جيش الاحتلال في العدوان على غزة، فانفلتت مقلتاه في حركة ذهول دائرية داخل جفون مفتوحة عن آخرها.
لقد تجلّى الانسجام الأبرز في أجواء المؤتمر الصحفي، في اللحظات التي ألقى فيها نتنياهو فقراته الجنائزية، من خلال اقتباسات نسبها إلى "إشعيا النبي". ظهر رأس القرار الإسرائيلي في ذلك الشقّ من الكلمة متوافقاً مع صفحة وجهه وإيماءاتها، ومع لغة جسده عموماً، بما يشحن خيال المشاهدين إلى الوصف الأدقّ لهذه الكلمة بأنّها "خطاب تعزية" تماماً كما في نصّ الاقتباس، تلقيه قيادة مُنهكة تستشرف خريف مسيرتها القيادية المتعثرة.
ثمّ خرج بنيامين نتنياهو بصورة غير متوازنة أو ناهضة من منصّة الحديث إلى طاولة الجلوس الموضوعة بجواره، ليفاجأه يعالون في وقوفه المتأهِّب باندفاعة يد تمتدّ للمصافحة. مثير حقاً أن لا يخطر على رئيس حكومة في نهاية حرب أن يصافح شريكيه في جولة العدوان أو يحييهما مباشرة. لكنّ يعالون بادر من جانبه تحت وطأة التقابل الجسدي في اتجاه حركة جسديهما، قبل أن يهمّ نتنياهو بالجلوس. في هذه اللحظة اضطرّ نتنياهو إلى المصافحة الباردة بعد تلكّؤ خاطف، قبل أن يسارع إلى سحب يده والجلوس في حالة انكماش. والمثير في هذا المقطع الذي يمتلك قيمته من خروجه على النصّ وترتيبات البروتوكول؛ أنّ نتنياهو تحاشى بوضوح التوجّه ببصره إلى شريكيْه خلال المصافحة المُحرِجة، بما يُضمِر عن حالة انزعاج عامّة سائدة في الفريق الثلاثي، قد ترقى مثيلاتها أحياناً إلى أن تكون خلافات متبادلة وأزمة ثقة أيضاً بما يعزِّز التسريبات المتزايدة من أجواء المجلس الوزراي المصغّر "الكابينيت".
جلس نتنياهو بعد كلمته المنكسرة تلك مطاطئ الرأس، رغم استنفاره الواضح خلال الجلوس لكلّ ما يمكن أن يمنح انطباعاً بالتماسك. تخلّى نتنياهو في تلك الأثناء عن نشاطه الانفعالي المعهود ليتلحّف بوقار مصطنع يسعف صاحبه في تقليص فرص تسريب الانطباعات عن ما يتفاعل داخله. هكذا وضع نتنياهو يداً فوق يد، وهي محاولة ضبط انفعالي ذات دلالة تورية وإخفاء في آن. وقد بعث رأسه أحياناً برسالة واضحة من خلال ذقن خفيضة للغايدة وحلق مشدودة بعُمق إلى الخلف، كحال من يتجرّع مرارة موقف ما.

يعالون .. شرود وجداني ومفارقة الواقع
بعد نتنياهو تحدّث الوزير يعالون الذي لم يكن ماهراً يوماً في ضبط تعبيرات وجهه وجسده، ولذا يسهل الكشف عن الحالة النفسية التي تعتريه رغم ما يتسم به وجهه من جمود في الإيماءات المعبِّرة، إذا ما قورن برئيس حكومته.
وما إن باشر يعالون حديثه عن "بطولات" جنوده؛ حتى انصرفت عيناه بعيداً نحو نقطة رؤية قاصية ومرتفعة في جانبه الأيسر، في حالة من الشرود الوجداني. عبّر ذلك بصدق عن الافتراق عن المعنى النصِّي، من خلال حركة تلقائية عابرة ينصرف بها البصر إلى الفراغ واللاشيء تقريباً؛ فراراً من خشية عميقة من المواجهة بالحقائق الصعبة التي تخالف المنطوق. إنها إشارة لطالما شكّكت دلالتها بمصداقية المتحدّثين في لحظات كتلك. وبالمقارنة؛ نجح يعالون دون عناء بالعودة البصرية إلى جمهور الصحافيين الجالسين قبالته في سياق مواساته أهالي الجنود الذي سقطوا بين قتلى وجرحى في آلامهم.
ما تجدر ملاحظته أنّ يعالون لم يتطرق في كلمته تقريباً إلى تفاصيل الميدان العسكري، فأبقى حديثه في هذا الشقّ مقتصراً على مقولات وشعارات غير مشفوعة بأي شواهد ذات صلة، ثم جنح لجوانب مطوّلة تأتي في خانة السياسة الخارجية. ومع ذلك؛ فإنّ كلماته المحدودة عن الوضع الميداني أفصحت عن مشكلات واضحة. فعندما خاطب جمهوره الإسرائيلي بمحاولة إقناعية للانصراف عن التأثّر بالخطاب الإعلامي للمقاومة الفلسطينية، كقوله مثلاً "لا تتأثروا بأقوال قادة حماس"؛ فإنّ وجهه بدا في حالة انفصام ظاهرة بين المواضع التي يمكن التحكّم في انفعالاتها وتلك المواضع التي تقع خارج نطاق التحكّم كالجبهة وعلى جانبي العينيْن لجهة الأذن. وقد انكشف مثل هذا عندما لم ينجح يعالون في محاولة الظهور بهيئة الثقة والتحدِّي، فبدا متصنِّعاً ومفتقراً إلى الجدِّية عندما تحدّث عن إلحاق "ضربات ضدّ حماس".

غانتس حبيس المأزق استشرافاً لهاوية مصيرية
كان غانتس الجالس على طرف الطاولة والأبعد عن المنصّة؛ يجلس في حالة تشي بالأزمة والارتباك التي تحيل صاحبها إلى مشاعر مختلطة كالتي تخامر المنبوذ مثلاً في تموضعه المكاني. لقد ظهر في بداية المؤتمر الصحفي وقد أخفى نصف وجهه الأسفل خلف يده، ولم ينجح بعدها في تسكين انفعالاته.
ليس من السهل على بعض العسكريِّين بطبيعة تكوينهم، أن يتكيّفوا مع المقاعد والمنصّات وحالة السكون والاستماع، ولذا يسهل الكشف عن مكنوناتهم الداخلية، كما اتضح في حالة غانتس ليل السابع والعشرين من آب/ أغسطس 2014. ففضلاً عن بروزه في هذه الليلة بوجه متأجِّج الحمرة نسبياً، لم يكفّ غانتس طوال جلوسه مستمعاً في المؤتمر الصحفي عن تحريك يديه وذراعيه ورأسه بما يحمل رسائل متضافرة في تعبيرها عن حال مأزومة. كان رأس غانتس ذي الرقبة الطويلة نسبياً يغوص في بدنه بين لحظة وأخرى، قبل أن يستدرك وضعية الرأس ونصف البدن الأعلى مستنهضاً إيّاهما. لكنّ هذا الضبط الانفعالي لا يصمد طويلاً قبل أن تذهب ذراعه اليمنى بعيداً ليواريها خلف مقعده بالكامل. وسيعاود الكرّة بتعديل الجلسة فتنطلق يده صوت وجهه أو رقبته، وهكذا مراراً.
المثير للانتباه أنّ غانتس عمد بشكل متكرِّر إلى تحسّس مقدِّمة رقبته، ربّما إلى حدّ إطلاق أصابعه في حالة ضاغطة عليها بعض الشيء. وإذا صدقت الدلالة التي يشي بها هذا التدقيق الذي لا يمكن لمسؤول رفيع المستوى أن يلجأ إليه في لحظة تاريخية من مسيرته وعلى مرأى من ملايين المشاهدين؛ فإنه ليس سوى الموضع الأدقّ للحياة والتنفّس، الذي يستشعر المرء من خلاله لحظته المصيرية التي توشك أن تهوي به.
وما إن سمع غانتس كلمة مديح جافة من وزيره يعالون؛ حتى تناول رشفة من الماء. إنها الحركة التي تحيل إلى تفسيرات شتى، تتضافر أحياناً معاً بصفة كلية أو جزئية. ففي بعض حالات الارتباك والقلق المصيري ينشأ إحساس بالعطش ليس ببعيد عن سكون غير اعتيادي في آلية ترطيب الفم من الداخل. لكنّ حمل كأس الماء يعين على التصرّف واللوذ بما يمكن الإمساك به وضبط الانفعالات عبره، ثمّ تغطية الوجه بالكأس خلال عملية الشرب ذاتها. وما يعزِّز هذا الاستنتاج أنّ غانتس اضطرّ بعد رشفة الماء تلك إلى حكّ حاجبه مباشرة، وهو تصرّف منسجم تماماً مع نسق التوتّر الانفعالي الذي تملّكه في تلك الدقائق.
في مؤتمر صحفي تأخر عن موعده طويلاً، واستبقه الفلسطينيون بسلسلة مؤتمرات الانتصار؛ عجز رأس الهرم الإسرائيلي سياسياً وعسكرياً، عن التعبير عن الثقة بالذات والتماسك المعنوي، بل بدا منجرفاً في حالة هزيمة عميقة لا يمكن توريتها. تبعثرت الكلمات الجوفاء في فضاءات لن تلامس وعي جمهورها الذي هزّته من الأعماق احتفالات الشعب الفلسطيني العارمة بالانتصار، دون أن يسمع جمهور الاحتلال ذاته رواية مفهومة من الحكومة وجيشها في لحظة الحقيقة التي أسدلت الستار على خمسين يوماً من العجز الميداني.

(*) الاستشاري الإعلامي حسام شاكر، بروكسيل.

 

مقالات متعلّقة

تغريدة غادة عويس

https://twitter.com/ghadaoueiss/status/1062100350017171457 




تغريدة joe

https://twitter.com/youssef_hussen/status/1061775236755013632 




تغريدة ماجد عبدالهادي

https://twitter.com/majedabdulhadi/status/1061898930106089472 




تغريدة عبد الباري عطوان

twitter.com/abdelbariatwan/status/1061921381745598470




تغريدة عزمي بشارة

twitter.com/AzmiBishara/status/1061860400369561600




تغريدة راشد الرميحي

twitter.com/rhalrumaihi/status/1057693712304795648 




 

إنهاء وعد بلفور.. بين القوة والاعتذار!

ياسر علي

حين درست الحكومة البريطانية وعد بلفور، عدّلت فيه ليخرج أقلّ سوءاً من الصيغة الأصلية، فقد كان أسوأ بكثير. وكان حاييم وايزمن ينتظر ا… تتمة »

مستشفى الهمشري.. على خطى التطوّر المستمر لخدمة الفلسطينيين في لبنان

في الجهة الشرقية لمدينة صيدا اللبنانية يقع مستشفى الهمشري مجاوراً لمخيمي عين الحلوة والمية ومية للاجئين الفلسطينيين..
يستقبل … تتمة »


#توجيهي_فلسطينكاريكاتير أمية جحا



Designed and Developed by

Xenotic Web Development