تفاعلات المقاومة والتحرر في جغرافيا الانتشار الفلسطيني

تاريخ الإضافة الخميس 28 أيار 2015 - 10:30 ص    عدد الزيارات 470    التعليقات 0

      
حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي

لا يمكن قراءة التفاعل الشعبي الفلسطيني مع المقاومة وحركة التحرر من الاحتلال دون تشخيص المشهد الشعبي الفلسطيني في جغرافيته المكانية المباشرة؛ بما يترتب عليها من خصائص الميدان.

فالوجود الفلسطيني يتوزّع جغرافياً على الداخل والخارج ضمن مواصفات هائلة التنوع والتعقيد. وتتمايز مناطق الداخل بعضها عن بعض بخصائص متعددة؛ تزايدت مع الوقت تبايناً بالمقارنة مع ما كانت عليه حتى مطلع التسعينيات من القرن العشرين. أما فلسطينيو الخارج فيتوزعون على دول يحيط بعضها بفلسطين، ودول أخرى ضمن العالم العربي خاصة في الخليج، وعلى شتات في أرجاء العالم الفسيح. ولكل بيئة في الخارج خصائصها، علاوة على تعدد أنماط الانتشار الفلسطيني فيها، بما يكشف عن فسيفساء هائلة التنوع.

ويستدعي بحث التفاعل الذاتي مع المقاومة، لدى الشعوب التي تخوض مسيرة التحرّر، فحص واقع الحاضنة الشعبية، وملاحظة مخزون التفاعل الجماهيري مع القضية، وخيارات الانتفاض والثورة الشعبية أيضاً. من ذلك أنّ الهبّات المتقطعة التي عرفتها الضفة الغربية والقدس في السنوات الأخيرة؛ أظهرت أنّ التجاوب المناطقي مع نداءات الانتفاضة متفاوت بدرجة ملحوظة ضمن الضفة والقدس، فالنشاطات الجماهيرية اندلعت في بؤر دون أخرى، وتباينت في أشكالها وسخونتها أيضاً. ثمة عوامل متعددة أسفرت عن هذا التباين المناطقي في التفاعل؛ زيادة على تقسيمات فرضها الاحتلال والاتفاقات الموقعة معه؛ تأتي منها طبيعة التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع الفلسطيني المحلي في كل منطقة خلال السنوات الماضية.

فقد طرأت في واقع الضفة الغربية تراجعات ملحوظة على الأدوار المجتمعية التي تنهض بها بعض المكونات والمؤسسات؛ مثل الفصائل والجامعات والمساجد والجمعيات الأهلية. وبرز في المقابل دور المنظمات غير الحكومية في المجتمع الفلسطيني بوضوح؛ كأحد أهم التحوّلات التي طرأت على المجتمع المحلي بعد قيام السلطة الفلسطينية. وتعتمد هذه المنظمات على مصادر تمويل تقدمها جهات مانحة من دول وهيئات ومنظمات شريكة، وغالباً ما تكون جهات مانحة غربية، تتعارض أولويات بعضها أو حتى معظمها بوضوح مع توجهات المقاومة الشعبية. لقد استقطبت هذه المنظمات قطاعاً واسعاً من النخبة الفلسطينية، وتشكّلت بموجب ذلك طبقة فلسطينية ذات سمات جديدة نسبياً وتبدو أقل تلاحماً مع المجتمع المحلي وأكثر اعتمادية على التمويل الخارجي، الغربي أساساً، بالمقارنة مع نموذج الجمعيات والمؤسسات الأهلية والخيرية التقليدي الذي كان حاضراً بقوة قبل قيام السلطة الفلسطينية.

لا يغيب عن الاستنتاج أنّ المقاومة المسلحة انحسرت في الضفة الغربية خلال العقد الأخير، بعد سلسلة الحملات العسكرية التي شنّها جيش الاحتلال في عمق الضفة، لا سيّما العملية المسماة "السور الواقي"، وبتأثير هيمنة التنسيق الأمني الذي تباشره أجهزة السلطة الفلسطينية مع جيش الاحتلال الإسرائيلي ومخابراته. ولا يعني انحسار المقاومة أنّ عملياتها توقفت بالكامل؛ وإنما أنّ بنى المقاومة الأساسية قد تفككت، وتراجعت قدراتها إلى أدنى مستوياتها، وأصبح النشاط المقاوم أسهل انكشافاً من الناحية الأمنية وأكثر ميلاً إلى نموذج عمليات الشخص الواحد.

مقابل ذلك؛ تركزت المقاومة المسلحة في قطاع غزة، وتطورت قدراتها بأبعاد قياسية منذ انسحاب قوات الاحتلال من القطاع وتفكيك مستوطناتها فيه. وقد شكّل تطور تجربة المقاومة في القطاع حالة استعصاء على الكسر رغم جولات العدوان الحربي المتكررة. وهكذا تحوّل التفاعل الشعبي بصفة متزايدة إلى مسارات المقاومة الميدانية ومجالات الدعم المتعددة اللازمة لها ولمجتمع المقاومة، بما في ذلك تصليب الجبهة الداخلية، علاوة على مواجهة تحديات الحصار المشدد الذي تم فرضه على القطاع منذ سنة 2006.

أما فلسطينيو الداخل المحتل سنة 1948 فأصبحوا أكثر حضوراً في المشهد الشعبي الفلسطيني. فعلاوة على نموّهم الديموغرافي المتعاظم؛ تزايدت تعبيراتهم عن الهوية الفلسطينية اتضاحاً، وتطورت بناهم المجتمعية والمؤسسية مقارنة مع سابق الحال، وصعدت صفوف جديدة إلى مشهد نخبتهم السياسية والشعبية، واتسعت فرصهم في التواصل مع الشعب الفلسطيني بمكوناته. ويمكن الاستنتاج بأنّ أي انتفاضة شعبية فلسطينية قادمة قد تجد تعبيرات واضحة لها، في مجتمع الداخل الفلسطيني بما قد يفوق أشكال التفاعل السابقة.

يبقى أنّ تفاعلات المقاومة والتحرر تثير تساؤلات جوهرية تفرضها اللحظة التاريخية الراهنة عن دور فلسطينيي الخارج في نطاقاتهم العربية وشتاتهم العالمي، وهو دور لا يمكن صرف الأنظار بعيداً عنه، خاصة وأنهم يمثلون ثلثي الشعب ويتوزعون على جغرافيا واسعة بكل ما في هذا من تحديات وفرص.

الثابت أنّ مفهوم التفاعل الشعبي الفلسطيني مع المقاومة والتحرر لا يمكن حصره في نطاق جغرافي بعينه، أو في الضفة والقطاع وحسب. كما لا يمكن توقّع أشكال نمطية محددة حصراً من هذا التفاعل، أخذاً بعين الاعتبار تنوّع الخيارات والصعوبات والفرص التي تتصل بكل منطقة. فهذه الجغرافيا بخصائصها تنطوي على صعوبات وتحديات في طريق التفاعل الشعبي الفلسطيني مع مشروع التحرر والمقاومة، ولكنها تملك في الوقت ذاته خيارات وفرصاً متعددة، وفضاءات لنضوج حالة تكاملية وتفاعلية متبادلة الأدوار، سواء بين مواقع الانتشار الفلسطيني؛ أم بينها والمجتمعات المحلية في بيئات الشتات.

المصدر: العربي 21

مقالات متعلّقة

تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 




تغريدة وسيلة عولمي

twitter.com/wassilaoulmi/status/1109921201890181120 




تغريدة مناور سليمان

twitter.com/mnaw7/status/1105774068354240518




تغريدة عوض المطيري

twitter.com/AwadAl_/status/1105833088389652481 




تغريدة أدهم أبو سلمية

twitter.com/adham922/status/1106156689143676928




 

غياب قناة القدس ليس نهاية الصوت المقاوم

على قدر الألم الذي أصاب كل عامل أو محب للقضية الفلسطينية جراء إغلاق قناة القدس، إلا أنه يُحسب للقائمين عليها جرأة اتخاذ هكذا قرار.… تتمة »

مستشفى الهمشري.. على خطى التطوّر المستمر لخدمة الفلسطينيين في لبنان

في الجهة الشرقية لمدينة صيدا اللبنانية يقع مستشفى الهمشري مجاوراً لمخيمي عين الحلوة والمية ومية للاجئين الفلسطينيين..
يستقبل … تتمة »


#توجيهي_فلسطينكاريكاتير أمية جحا



Designed and Developed by

Xenotic Web Development