أنت معلم في فلسطين؟

تاريخ الإضافة السبت 8 تشرين الأول 2016 - 1:04 م    عدد الزيارات 11117    التعليقات 0

      
زياد خداش

زياد خداش

كاتب قصة فلسطيني

أنت معلم في فلسطين.. إذن، أنت على موعدٍ دائم مع مقعد فارغ، ينتصب فجأةً في وجهك ووجوه تلاميذك.

ذات صباح مدرسي، مقعد لتلميذ خطفت عمره رصاصة صهيونية، لسببين غريبين: لأنه أخطأ ومشى في مرمى الرصاصة، ولأنه فلسطيني وُلِد على هذه الأرض لأبوين فلسطينيين وأجداد فلسطينيين. مقعد فارغ ضدّ ابتذال الدروس ورتابة الوصول إلى المدرسة، وبرودة مناهج المدرسة، مقعد الكائن اللانهائي الذي تخجل من مداه أرقام كتاب الرياضيات المحدودة. مقعد يجلس في طيف طفلٍ كان، هنا، البارحة، يرفع إصبعه لمعلم الرياضيات، وينحني متحمسًا على ورقة الامتحان في حصة العلوم، لن يكون في وسعك كمعلم أن تشرح درس التاريخ، من دون أن تتذكّر أن ثمة كتاب تاريخ يجلس في الصف على شكل فراغ كامل وصامت، كتاب للمدن وخرائط البحيرات كلها.

أنت معلم في فلسطين.. إذن، أنت مضطرٌّ لوقف الحصة فجأةً، ذات زيارة غريبة لامرأة غريبة تطرق الباب بهدوء. تقف أمام الطلاب، تأكلهم بدموعها، صارخة بصمت فيهم وفيك:

(أنا أمّ هذا الفراغ الذي بينكم، تعالوا إليّ، أحبكم أحبكم).

فيجنّ في الصف خريف شجرٍ بعيد، وتطير طيور ستائر الصف الممزقة، تطلّ من الجدران ذاكرة ضحكات العام الدراسي الفائت، وأسرار الأولاد الصغيرة، سرقات المساطر، وضياع الأقلام، والبكاء الهستيري لأن طالباً ذكر اسم أمّ طالب آخر، وغش المتفوقين البسيط الخجول في الامتحان، والتنافس على رئاسة تحرير مجلة الحائط.

أنت معلمٌ في فلسطين.. إذن، تهيّأ لطابور من تلاميذ صفك المتأخرين، يتعاقبون على طرق الباب، لن يحدث وأن تسألهم: لماذا كل هذا التأخير؟ لن يبادروا هم ليعتذروا لك، أنت تعرف، وهم يعرفون أن ثمة وحوشًا في الطريق، تنهش خطواتهم، وتخيف ظلالهم، وتعتقل أنفاسهم، هم يعرفون، وأنت تعرف أنك وصلت قبلهم بقليل، وربما تتأخر غدًا مثلهم!

أنت معلم في فلسطين.. إذن، لا تتفاجأ بتلميذٍ يدخل مبتسمًا مع عكازات، أو ضمّادات على الساعد. لا تنهر الصف، حين يضجّ بالترحاب والحبّ، ولا تُسوّي المقاعد حين تتناثر من حماسة التلاميذ. إحترم هذه الفوضى الجميلة واخرج قليلاً. دخّن إن شئت في الممر، واترك التلاميذ مع زميلهم الجريح، يلعبون مع الجرح أو مع حكايته.

أنت معلم في فلسطين.. توقّع في منتصف مسألة الرياضيات الثالثة أن يرن هاتفك الخلوي، مرات عديدة، وأن تسمع من الطرف الآخر صوت صراخٍ بيتي مألوفةٌ نبرته، تتبين من غابته صوت شقيقك، وهو يصيح (آه يا حبيييي .. يا يابا). ستعرف حينها أنّ ثمة حصةً لك من وجع البلاد، فابن شقيقك قضى شهيدًا، وهو يرشق الاحتلال بالملل والغضب والتعب. هي خدمة الدم يا معلم فابكِ قليلاً، ثم ابتسم لوهم عدالةٍ تاريخية، ربما تأتي.

أنت معلم في فلسطين. إياك أن تتفاجأ بجندي صهيونيّ صغير، يصرخ عليك ينعتك بالقرد، طالبًا منك، أمام تلاميذك، أن تخلع ملابسك كلها، وأن يصفعك إن رفضت. وإن لم ترفض غالبًا! ابتسم للطلاب واهمس لهم كاذباً بعينيك، على الرغم من صراخ الجنود أنك أقوى من إهاناتهم، وأنك غير مهتم أبداً.

أنت معلم في فلسطين.. قل لطلابك بصوتٍ عالٍ أنّ أعلى جبل في فلسطين هو الجرمق، شمال شرق الجليل، وليس تل العاصور في رام الله، كما قررت "أوسلو" الكذابة. وحين يواجهك الطلاب المستغربون بما يقوله المنهاج المدرسي، امسك الصفحة بيدك، ومزقها من جذورها، واطلب من الطلاب أن يفعلوا مثلك، ثم قل لهم اتركوا بقايا التمزيق، في عمق الصفحة: لنجعله شاهدًا أجمل وأعدل أنواع الجرائم.
 

مقالات متعلّقة

تغريدة غادة عويس

https://twitter.com/ghadaoueiss/status/1062100350017171457 




تغريدة joe

https://twitter.com/youssef_hussen/status/1061775236755013632 




تغريدة ماجد عبدالهادي

https://twitter.com/majedabdulhadi/status/1061898930106089472 




تغريدة عبد الباري عطوان

twitter.com/abdelbariatwan/status/1061921381745598470




تغريدة عزمي بشارة

twitter.com/AzmiBishara/status/1061860400369561600




تغريدة راشد الرميحي

twitter.com/rhalrumaihi/status/1057693712304795648 




 

إنهاء وعد بلفور.. بين القوة والاعتذار!

ياسر علي

حين درست الحكومة البريطانية وعد بلفور، عدّلت فيه ليخرج أقلّ سوءاً من الصيغة الأصلية، فقد كان أسوأ بكثير. وكان حاييم وايزمن ينتظر ا… تتمة »

مستشفى الهمشري.. على خطى التطوّر المستمر لخدمة الفلسطينيين في لبنان

في الجهة الشرقية لمدينة صيدا اللبنانية يقع مستشفى الهمشري مجاوراً لمخيمي عين الحلوة والمية ومية للاجئين الفلسطينيين..
يستقبل … تتمة »


#توجيهي_فلسطينكاريكاتير أمية جحا



Designed and Developed by

Xenotic Web Development