مخيم البَقعة.. سواعد في الوحل!

تاريخ الإضافة الجمعة 25 كانون الأول 2015 - 10:34 ص    التعليقات 0

      

في ظله قهر، وفي قامته كرامة، وفي لجوئه احتلال، وفي كله أسى، فأيّ ملح يشفي جراحه، وأي أرض تحتضن مأساته؟! وفي مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين، بُقعة من طين، فهذه المنطقة هي الأكثر خصوبة في المملكة الأردنية الهاشمية، التي تخلت عنها لتقيم للاجئ خيمته، وفي الوحل والطين عاش، والطين يشبه اللاجئ؛ فهو يصبح يابساً في الصيف إلى حد التفتت، ثم يسقط عجينة كالصلصال في الخريف فتدعكه الحياة، وما إن يأتي الشتاء محملاً بالأمطار فيذيبه إلى حد التميّع.. وفي الطريق يأتي الربيع ويمنحه الأمل.

وهكذا ومنذ نكبة فلسطين عام 1948 يعيش لاجئو البقعة وسواعدهم مغروسة في الوحل.. صامدون يشقّون طريقهم ثقيل الظل والروح، وصامدون يعملون ليعيشوا عودة الروح.

رحلة شاقة وعجيبة من فلسطين إلى الأردن، اجتاز فيها الحدود الفلسطينية والاسرائيلية والأردنية في ثلاث ساعات على الأقل في الشتاء، بينما تتضاعف المدة في موسم السفر، أي خلال العطل والإجازة الصيفية وما يتخللها من مضايقات لجنود الاحتلال، بينما المسافة الحقيقية هي نصف ساعة لا أكثر نعبر خلالها الجسر الذي يعلو نهر الأردن.

وهذه المرة أرست هبة القدس ظلالها، فتوقف الباص على جسر الكرامة ساعتين اضافيتين من دون السماح بفتح باب الباص لـ«دواع أمنية»، طبعاً كما هي عادة الاحتلال الاسرائيلي.

وبوصولي إلى العاصمة عمان، اتجهت إلى مخيم البقعة الواقع ضمن أراضي محافظة البلقاء شمال غرب عمان، ينتظرني أحد قيادات المخيم الوطنية باسل عرار، إذ كان ممنوعاً على التاكسي الذي استقللته دخول المخيم، فهناك باصات خاصة به وطريق محدد يتسع للمواصلات العامة، لكن السائق غامر كما أخبرني ودخل عبر أزقة المخيم الضيقة، مؤكداً أنه يعرف الطريق.

رحّب بي باسل بمسحة من اللجوء وكأنه يُعَرّفني على جزء من فلسطين، سرنا في أكبر مخيمات اللاجئين في الشتات الفلسطيني، الذي تأسس عام 1968 بديلاً عن عدد من المخيمات المؤقتة التي أقيمت في المملكة الأردنية إثر نكسة عام 1967.

أشار باسل إلى منازل المخيم التي كانت في السابق عبارة عن خمسة آلاف خيمة يقطن فيها ست وعشرون ألف لاجئ على مساحة 1.4 كلم، ثم تحولت تدريجياً بين الأعوام 1969 و1971 إلى ثمانية آلاف مسكن، هي عبارة عن غرفة، أو اثنتين، صغيرة جدّاً وفق عدد أفراد العائلة. وبناءً على معطيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين فإن في المخيم اليوم 104 آلاف لاجئ مسجلين لديها، وقد يصل العدد الإجمالي إلى 140 ألفاً.

منطقة خصبة

وتعد منطقة البقعة أخصب المناطق في الأردن وأخفضها، حيث تقع بين سلسلة الجبال المحيطة بها، وكانت تشكل سلة الأردن الزراعية والتي كانت تنتج ربع انتاجها الزراعي والذي تخلت عنه، بل وعاملت اللاجئ الفلسطيني بشكل متميز عن دول الجوار التي استقبلت الفلسطينيين، فمنحته الجنسية وحقوقه في التعليم والعمل والتملك.

وقد استأجرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عام 1967 أرض المخيم لمدة خمسين عاماً ـــ قابلة للتجديد ـــ بقي منها عامان، وبني المخيم بتمويل من جمهورية ألمانيا الاتحادية.

شهداء «لقمة العيش»

كان لقاؤنا الأول مع الحاجة صبحة محمد هديب إحدى الناجيات من مجزرة الدوايمة ووالدة الشهيد جهاد مناصرة أحد ضحايا مذبحة عيون قارة والذين أطلق عليهم «شهداء لقمة العيش» عام 1999 حيث وقف عشرون عاملاً عند مستوطنة ريشون لتسيون المقامة على أراضي قرية عيون قارة، وانتظروا أصحاب العمل الاسرائيليين ليأخذوهم إلى عملهم، لكن أحد ضباط الاحتلال، وبعد أن تأكد من هوياتهم الفلسطينية أطلق النار عليهم جميعاً فاستشهد سبعة وجرح البقية، هرب الفاعل ولاحقاً تم القبض عليه وتدعي اسرائيل أنها حكمت عليه مؤبداً، لكن الأخبار تشير إلى أنه يعيش حياة الترف في السجون الاسرائيلية، فقد تزوج للمرة الثالثة لانفصاله عن زوجاته السابقات ولديه أبناء منهن، كما أنه سجين مميز، حيث تعرّض لحادث سير أثناء قيادته السيارة، وبررت المصادر الاسرائيلية أن الحادث وقع أثناء اجازته العادية خارج «السجن»!

في الطريق إلى المذبحة

لم تستطع الحاجة صبحة ابنة قرية الدوايمة قضاء الخليل أن تبدأ حديثها من دون أن تسألني عن شهداء هبة القدس، وكيف وصلتُ إليها وتجاوزت الحواجز، وبين كلمة وأخرى كانت تعود لاستفساراتها لتسألني كيف تركت التظاهرات والجنازات؟ وهي التي كانت عام 1948 طفلة ابنة أربع سنوات، والتي طلت والدتها من نافذة البيت لترى دبابات العصابات الصهيونية، وتقرر هي وزوجها أن تأخذ هي البنت (صبحة) ويحمل هو الطفل الرضيع ابن العامين ويلحق بها، ذهبت صبحة مع والدتها التي حملت بعض الطحين ولحافاً على رأسها، ذهبتا إلى منزل جدها فلم تجد أحداً، تابعتا السير واذا بعائلات القرية يختبئون في مغارة كبيرة تتسع للمئات، وهي في العادة مكان مخصص للأغنام، امتلأت المغارة، فلجأ البعض إلى مسجد البلدة والبعض خرج منها، لكن مجزرة الدوايمة الشهيرة حصدت نحو ألف شخص في شوارع البلدة ومسجدها وإحدى المغارات.

صبحة الطفلة إحدى الشهود على مذبحة ونكبة وتهجير ولجوء، قالت لي: «ما ضل حدا ساكن فيها، جدي قتل باب البيت»، وتابعت حديثها عن المغارة التي انتقلوا منها إلى الأخرى لتتحول الأولى إلى مجزرة قتل معظم من فيها، ذهبوا إلى مدينة الخليل، وبعد أيام ذهب أولاد عمها إلى البلد لإحضار الطعام لكن استشهدوا، وقد قتل الصهاينة كل من حاول العودة للقرية.

عبروا النهر

تنقلت صبحة وعائلتها بين قرى الخليل ومخيمها «العروب» وبعد نكسة عام 1967 نزحوا إلى أريحا، ومنها عبروا الضفة الشرقية لنهر الأردن، وقالت: «أخذونا إلى مدارس مأدبا، لم يتوفر الغذاء، لكن تبرع الهلال الأحمر وقتها، أذكر ساحة المدرسة، الناس عارية فقد أكلها الدود، ثم اخذونا إلى منطقة الضليل، وفيها كانت الخيام تطير من رياح الصحراء». وهكذا تنقلوا بين مخيمات عمان؛ «سُوف» و«جرش» وحين انقطعت عنهم المياه تم نقلهم بالسيارات إلى الغور وعاشت في خيمة واحدة مع عائلة أخرى، وهناك توفي والدها.

تزوجت صبحة وأنجبت ابنها الأول وتشردت معه فذهبت إلى قرية العال بينما بقي زوجها في الغور وهناك كان مختار قرية الدوايمة قد وجد مكاناً جمع فيه أهل عشيرته وقريته الناجين من المذبحة واللاجئين، فكانت البقعة هي الخيار الأخير.

عيشة من «طين»

تصف الحاجة صبحة مخيم البقعة في أوائل مراحل تأسيسه فتقول: «إنه طينة مزروعة بكروم العنب والتين والزيتون، الطين للركب». وتضيف: «عيشة ولا أزفت منها، نصبوا لنا الخيام فوق الطين»، تصف حتى النوم «لما كنا نفرش البطانية تمتلئ بالماء والطين. شوبدنا في هالحياة.. بلادنا راحت، قاعدين الاحتلال يحاطموا في الناس في الجلزون وحلحول والخليل.. كلهم شهداء، وأحمد مناصرة طفل شو ذنبه؟!».

وتكمل حديثها لــ القبس بقصائد من تأليفها: «من القدس ملينا روايانا.. عالخليل قدتنا منايانا، من غزة ملينا ق.رَب المية.. على القدس أجتنا المنية».

كان ابناؤها الذين أصبحوا تسعة يمشون حفاة يستنجدون بالخيمة من البرد، سقط الثلج عليهم فوقعت الخيام، عاشوا لسنوات بلا حتى حمامات سوى حمامات عامة، وحتى صنابير المياه كانت عامة، وفي تلك الزاوية من المخيم مطعم صغير يوزع الحليب على الأطفال الواقفين في الطابور، يحمل كل منهم كوباً، أما المجاري فعبارة عن قنوات مفتوحة تسير بين المنازل يقفز فوقها اللاجئون والأطفال، والمدارس هي غرف من الزيتكو، فلا حاجة للبناء وتأسيس بنية تحتية.. لأنهم عائدون!

طابور الطعام.. ورائحة فلسطين

جلست فاطمة عبد الرحمن الحايك، مواليد مخيم عقبة جبر في أريحا 1955، والاصل من قرية زكريا، قضاء الخليل، إلى جانبي، وتابعت حديث ذكرياتها الأليمة التي عرفتها وهي في الثانية عشرة من عمرها، حين تركوا المخيم إبان النكسة عام 1967 تحت قصف الطائرات، وخوفاً من قصص الاغتصاب ما بين الحقيقة والإشاعات التي روج لها الصهاينة إلى درجة التضخيم لتخويف الناس. هاجروا إلى الضفة الشرقية من النهر وتنقلوا بين مدن الأردن؛ الشونة وماحص والزرقاء وبيوت الأقارب، وفي الشونة حصلوا على بطانية وخيمة شهدت على ولادة أمها لأخيها وأختها، فكانا من مواليد «الخيمة»، ثم تركوا الشونة إثر معركة الكرامة في مارس عام 1968 والتي حاولت فيها القوات الصهيونية احتلال نهر الأردن، فتنقلوا بين مخيمات حطين وشلنر، إلى أن كان موطأهم الأخير إلى اليوم مخيم البقعة.

في المخيم لا تنسى فاطمة طابور الطعام اليومي للحصول على الخبز والسردين من وكالة الغوث، ولا يمتلكون سوى بابور الكاز وفانوس الإضاءة، وبطاريات الكهرباء، والتي يتم شحنها من الوكالة، وتقول «أموال الدنيا لا تسوى شيئا مقابل أن نتنفس رائحة فلسطين».

الأردن موطن %42 من اللاجئين الفلسطينيين

يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين 5.4 ملايين مسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ويعيشون داخل فلسطين وخارجها، يعيش منهم 1.5 داخل المخيمات، وفي الأردن يوجد %42 من إجمالي اللاجئين، أي أكثر من نحو مليوني لاجئ يعيشون في عشرة مخيمات، أكبرها مساحة وسكاناً على مستوى مخيمات الشتات الفلسطيني مخيم البقعة.

 

المصدر: القبس 

أخبار متعلّقة

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 




 

الإبداع الفلسطيني المظلوم

ياسر علي

على مدى ثلاث سنوات، عملت "شبكة العودة الإخبارية" على نشر تقارير عن الإبداع الفلسطيني في العالم، من خلال مقالات وتقارير يومية، بإشر… تتمة »

مستشفى الهمشري.. على خطى التطوّر المستمر لخدمة الفلسطينيين في لبنان

في الجهة الشرقية لمدينة صيدا اللبنانية يقع مستشفى الهمشري مجاوراً لمخيمي عين الحلوة والمية ومية للاجئين الفلسطينيين..
يستقبل … تتمة »


#توجيهي_فلسطينكاريكاتير أمية جحا



Designed and Developed by

Xenotic Web Development